الجمعة, 04 أبريل, 2025


الوظائف المستقبلية في دبي: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل
Written by: UAE Human Journey Experts أبريل, 2025 Exclusive report

شهدت إمارة دبي خلال العقود الماضية نمواً اقتصادياً ملحوظاً انعكس بشكل مباشر على توسع سوق العمل وتنوع الفرص المتاحة، ووفقاً للبيانات الصادرة عن مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء، حقق اقتصاد دبي نمواً بنسبة 3.1% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، حيث بلغ إجمالي الناتج المحلي 339.4 مليار درهم.، هذا النمو كان مدفوعاً بقطاعات حيوية مثل النقل والتخزين، الذي بلغ حجمه 42.135 مليار درهم محققاً نسبة نمو قدرها 5.3% مقارنة بعام 2023، مسهماً بنسبة 12.4% في الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، ومساهماً في النمو المتحقق بنسبة 20.8%.

كما حقق قطاع المعلومات والاتصالات نمواً بنسبة 4.1% لتبلغ قيمته 15.863 مليار درهم، معززاً بنسبة مساهمة 4.7% في الناتج المحلي، أما قطاع خدمات الإقامة والطعام، فقد نما بنسبة 3.7%، ليصل إلى 11.538 مليار درهم، مسهماً بنسبة 3.4% في الناتج المحلي ومساهماً في النمو المتحقق بنسبة 4.1%. ​

هذا التوسع الاقتصادي أسهم في زيادة الطلب على الكفاءات والمهارات المتخصصة، مما عزز من ديناميكية سوق العمل في الإمارة، وتُظهر الإحصائيات أن الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي لدولة الإمارات نما بنسبة 6.2% في عام 2024، مما رفع مساهمته في الاقتصاد الوطني إلى 75% ، هذا التحول نحو التنوع الاقتصادي قلل من الاعتماد على قطاع النفط، وفتح آفاقاً جديدة للتوظيف في مجالات متعددة مثل التكنولوجيا، السياحة، والخدمات المالية.​

ورغم هذه النجاحات، يواجه سوق العمل في دبي تحديات مرتبطة بالتغيرات التكنولوجية والتحولات في الطلب على المهارات،  لذا تركز الإمارة على تطوير برامج تدريبية وتعليمية لتعزيز مهارات القوى العاملة، وضمان جاهزيتها لمتطلبات المستقبل.​

مهن المستقبل في دبي

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة والتقدم التكنولوجي المستمر، تتجه دبي نحو تعزيز اقتصادها الرقمي والمعرفي، مما يستدعي التركيز على مهن مستقبلية تتطلب مهارات متقدمة في التكنولوجيا والابتكار. يأتي هذا التوجه استجابةً للتغيرات العالمية وضرورة التكيف مع متطلبات العصر الحديث.​

  • متخصصو الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة: لتطوير وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين العمليات واتخاذ القرارات في مختلف القطاعات ، والمطلوب إتقان لغات البرمجة، فهم عميق للخوارزميات، وقدرة على تحليل البيانات.​
  • محللو البيانات الضخمة: جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات لاستخلاص رؤى تدعم اتخاذ القرار الاستراتيجي والمطلوب، مهارات تحليلية قوية، إلمام بأدوات تحليل البيانات، وقدرة على تفسير النتائج بفعالية..
  • خبراء الأمن السيبراني: حماية الأنظمة والشبكات من التهديدات والهجمات الإلكترونية المتزايدة، والمطلوب، معرفة متقدمة ببروتوكولات الأمان، قدرة على تقييم المخاطر، ومهارات استجابة سريعة للحوادث.​
  • مطورو البرمجيات والتطبيقات: تصميم وتطوير حلول برمجية مبتكرة تلبي اجتياجات السوق المتغيرة، المطلوب، إتقان لغات البرمجة، فهم احتياجات المستخدم، وقدرة على العمل ضمن فرق متعددة التخصصات
  • فني صيانة الألواح الشمسية: تركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية، مع التركيز على ضمان الكفاءة والاداء، والمطلوب، معرفة بأنظمة الطاقة المتجددة، مهارات تقنية في التركيب والصيانة، وفهم للمعايير البيئية.

يُعَد التركيز على هذه المهن انعكاساً للتحول نحو اقتصاد معرفي يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، هذا التحول يتطلب إعادة تقييم لمفاهيم العمل التقليدية، حيث لم تعد المهارات اليدوية كافية لضمان الاستدامة الوظيفية، وبدلاً من ذلك، يُصبح التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الحديثة أمراً جوهرياً.​

من الناحية الاقتصادية، يُسهم الاستثمار في هذه المجالات في تعزيز التنافسية العالمية لدبي، جذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق فرص عمل جديدة، فمثلاً، يُتوقع أن يصل حجم سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً إلى 2.7 تريليون دولار بحلول عام 2033، مما يبرز أهمية تأهيل الكوادر المحلية في هذا المجال، وعلى الصعيد الفلسفي، يثير هذا التحول تساؤلات حول طبيعة العمل والهوية المهنية في العصر الرقمي، إذ يتطلب التكيف مع هذه المهن الجديدة إعادة تعريف لمفاهيم القيمة والإنتاجية، والتركيز على الإبداع والابتكار كقيم جوهرية في سوق العمل المستقبلي.​

تدريب وتطوير العمالة الماهرة في دبي

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة والتوجه نحو اقتصاد المعرفة، تدرك دبي أن الاستثمار في رأس المال البشري هو الركيزة الأساسية لضمان الاستدامة والتنافسية، فالتنمية الاقتصادية ليست مجرد أرقام نمو، بل هي عملية ديناميكية تتطلب تكيّفاً مستمراً مع المتغيرات العالمية، و من هذا المنطلق أطلقت حكومة دبي بالتعاون مع مؤسسة دبي للمستقبل “برنامج دبي لخبراء المستقبل”، وهو مبادرة رائدة تهدف إلى بناء قدرات نخبة من خبراء المستقبل في قطاعات استراتيجية متعددة، ويُعتبر هذا البرنامج الأول من نوعه عالمياً في المجال الحكومي، حيث يُمكّن المشاركين من تنفيذ مشاريع رائدة وإعداد أبحاث مستقبلية تسهم في تعزيز جاهزية دبي للتحديات المقبلة.

وفي إطار السعي لتعزيز المهارات الرقمية، وقّعت “دبي الرقمية” اتفاقية تعاون مع شركة مايكروسوفت بهدف تطوير معارف ومهارات الموظفين الحكوميين في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتتضمن هذه المبادرة برنامجاً تدريبياً بثلاثة مسارات تستهدف فئات متعددة من الموظفين، بدءاً من ذوي الفهم الأساسي للتكنولوجيا وصولاً إلى المطورين وعلماء البيانات ومديري المشاريع، ويهدف هذا البرنامج إلى خلق ثقافة معرفية وتطبيقية في مجال الذكاء الاصطناعي داخل القطاعات الحكومية، مما يسهم في تعزيز الابتكار وترسيخ أسس اقتصاد قائم على المعرفة.


دور الذكاء الاصطناعي والبرمجة في اقتصاد دبي

في السياق المعاصر الذي تتسارع فيه أدوات الثورة الصناعية الرابعة، برز الذكاء الاصطناعي والبرمجة بوصفهما عنصرين محوريين في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية لدول العالم، ودبي ليست استثناء، بل تمثل حالة متقدمة في هذا المسار، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد تقنية مساعدة، بل بات بنية تحتية استراتيجية تنسج من خلالها الإمارة خيوط اقتصادها الجديد، وفي هذا الإطار، تحوّلت دبي إلى مختبر مفتوح لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تتداخل التكنولوجيا مع مختلف القطاعات الحكومية والخاصة، ما أدى إلى رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليص الهدر، وتعزيز التنافسية.

ووفقاً لتقديرات اقتصادية محلية وعالمية، من المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي وحده بما يقارب 14% من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات بحلول عام 2030، أي ما يعادل أكثر من 96 مليار دولار، وتشكّل دبي النسبة الأكبر من هذه المساهمة بحكم تركّز الاستثمار والابتكار فيها، وقد أعلنت “دبي الرقمية” في أكتوبر 2023 عن إطلاق منصة دبي للبيانات والذكاء الاصطناعي، وهي منصة حكومية متقدمة توفر بيئة رقمية موحّدة تتيح تحليل البيانات وتطبيق حلول الذكاء الاصطناعي بشكل متكامل عبر جميع الجهات الحكومية والخاصة في الإمارة، وهي إحدى أهم أدوات التحول الرقمي على مستوى الشرق الأوسط.

في قطاع الأمن، كشفت شرطة دبي أن المساعد الذكي الافتراضي “آمنة” أجرى أكثر من 20,000 محادثة رقمية تفاعلية مع الجمهور خلال عام 2023، مقدّماً إجابات دقيقة بلغتين “العربية والإنجليزية”، وهو ما وفّر موارد بشرية كبيرة ورفع معدل رضا المتعاملين.

أما في مجال الهجرة والجنسية، فقد تبنّت الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي حلولاً تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الضخمة القادمة من المطارات والمعابر، مما أسهم في خفض وقت إجراءات الدخول بنسبة 40%، وزاد من قدرة المعالجة اليومية للمسافرين إلى أكثر من 70 ألف مسافر يومياً في مطار دبي الدولي.

وفي القطاع البلدي، كشفت بلدية دبي خلال مشاركتها في “جيتكس 2024” عن سلسلة من الأنظمة الذكية التي تُستخدم لتحليل بيانات الاستثمار والتراخيص وتخطيط الأراضي، وهو ما أسهم في تقليص زمن معالجة الطلبات البلدية بنسبة 60%، ورفع الإنتاجية في الأقسام الهندسية بنسبة 47%.

أما في القطاع الرياضي، فقد عرضت “لاليجا” الإسبانية خلال ملتقى دبي الدولي للذكاء الاصطناعي في الرياضة، حلولاً تحليلية متقدمة لقياس الأداء البدني للاعبين باستخدام الرؤية الحاسوبية وتعلّم الآلة، وهو ما يفتح المجال لتطبيقات مماثلة في الأندية والاتحادات الرياضية في دبي، مما يدعم قطاعاً اقتصادياً متنامياً يندرج ضمن الاقتصاد الإبداعي.

الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية طويلة المدى للذكاء الاصطناعي في دبي

إذا كانت التكنولوجيا، على مر العصور، قد مثّلت أداة لتحسين الكفاءة وتوسيع حدود الممكن، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم يتجاوز هذا الدور ليصبح فاعلاً مركزياً في إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

في دبي، حيث تُبنى السياسات على استشراف المستقبل وليس على استبقاء الماضي، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة تقنية، بل كإطار فلسفي جديد لإدارة الإنسان والموارد والزمن.


  • تحولات في سوق العمل وهيكلة الوظائف

التحول الرقمي، مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي، سيؤدي بطبيعة الحال إلى إعادة هيكلة سوق العمل في دبي على مستويات عدة:

  • اختفاء وظائف تقليدية: مع تسارع الأتمتة في القطاعات اللوجستية والإدارية والمصرفية، ستختفي تدريجياً بعض الوظائف الروتينية مثل مدخلي البيانات، ومراقبي الجودة اليدوية، ووظائف خدمة العملاء التقليدية.
  • ظهور وظائف هجينة وجديدة: بالمقابل، تظهر وظائف لم تكن موجودة قبل عقد من الزمن مثل: مبرمجي خوارزميات السلوك البشري، مختصي أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مديري منصات تعليمية ذكية، ومهندسي واقع افتراضي.
  • تغيير المهارات المطلوبة: تشير التقديرات العالمية إلى أن 50% من الموظفين سيحتاجون لإعادة تدريب بحلول عام 2027 (وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي)، وهو ما دفع دبي إلى إطلاق مبادرات مثل برنامج “دبي لخبراء المستقبل” لتأهيل كوادرها البشرية لهذا التحول.

  • العدالة الرقمية وإعادة توزيع الفُرص

رغم أن الذكاء الاصطناعي يُسهم في تحسين الكفاءة، إلا أن اعتماده غير المتوازن قد يخلق تفاوتات اجتماعية جديدة:

  • الفجوة الرقمية:  من لا يمتلكون المهارات الرقمية قد يجدون أنفسهم خارج الدورة الإنتاجية، مما يُعيد تعريف مفاهيم الإقصاء والتهميش في المجتمعات الحضرية.
  • التمييز الخوارزمي:  إذا لم تُضبط خوارزميات الذكاء الاصطناعي بضوابط أخلاقية، فقد تكرّس بعض أشكال التحيز أو التمييز في التوظيف أو الإقراض أو الخدمات العامة، لذلك تعمل دبي من خلال “سياسة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” الصادرة عن دبي الرقمية، على وضع إطار يحفظ العدالة ويضمن الشفافية في استخدام هذه التقنيات.
  • التحول في المفهوم الفلسفي للقيمة والإنتاج

في الاقتصاد الصناعي، كانت “القيمة” تُقاس بعدد الساعات التي يبذلها العامل، أما في اقتصاد المعرفة، فالمعادلة تغيّرت:

  • القيمة في دبي تُولَد من الابتكار والبرمجة والقدرة على خلق حلول، لا من التكرار أو الامتثال، والبرمجيات التي يكتبها مطوّر قد تدرّ أرباحاً تفوق إنتاج مصنع تقليدي يعمل فيه مئات الأشخاص.
  • الزمن نفسه يعاد تعريفه، حيث تتيح الخوارزميات استثمار الوقت بشكل أكثر كفاءة، سواء في النقل، أو الرعاية الصحية، أو إدارة المدن، مما ينعكس على جودة الحياة والنمو الاقتصادي.
  • إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والحكومة

مع توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الحوكمة، تتحول العلاقة بين المواطن والحكومة من علاقة بيروقراطية إلى علاقة ذكية تفاعلية:

  • المواطن اليوم في دبي يمكنه إنجاز معاملته خلال ثوانٍ عبر الذكاء الاصطناعي.
  • تُستبق مشكلته عبر التنبؤ بالخدمة التي يحتاجها بناءً على نماذج تعلم الآلة.
  • تُخصّص له الخدمات بشكل فردي وليس وفق “متوسط الجماعة”.

وهذا يعكس تحولاً جذرياً في مفهوم “الدولة”، من دولة إجرائية إلى “دولة متكيفة”، لا تنتظر الظواهر بل تستبقها وتحللها وتعيد تشكيلها.

الرؤية المستقبلية لسوق العمل والذكاء الاصطناعي في دبي 2030- 2024:

في أفق السنوات المقبلة، يتجه العالم نحو ما يُعرف بـ”المرحلة التالية من الذكاء”، حيث تصبح العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا أكثر تعقيداً، وتختفي تدريجياً الحدود الفاصلة بين ما هو بشري وما هو خوارزمي، ولا تكتفي دبي بالتكيف مع المستقبل، بل تسعى إلى صناعته، وتشكّل السنوات الممتدة بين 2030 و2040 نقطة تحول في مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي لدبي، ضمن إطار يتجاوز التخطيط إلى “هندسة المستقبل”.

  • الاقتصاد المعرفي الكامل وتحول نماذج الإنتاج

تسعى دبي إلى التحول من اقتصاد تقوده الخدمات إلى اقتصاد تقوده المعرفة المُنتجة محلياً، ويتجلى هذا في:

  • توقعات بأن تتجاوز مساهمة الاقتصاد الرقمي 25% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة بحلول عام 2031، وفقاً لتقديرات دبي الرقمية.
  • دمج الذكاء الاصطناعي ليس فقط في قطاعات محددة، بل عبر جميع مستويات سلاسل القيمة، مما يحول أنماط الإنتاج من صناعية مركزية إلى إنتاجية موزعة وذكية .(Distributed Smart Production)
  • أتمتة عالية بنسبة تتجاوز 50% من الوظائف

تشير التوقعات الدولية تقرير “PwC” إلى أن ما يقارب 52% من الوظائف في منطقة الخليج قابلة للأتمتة خلال العقدين المقبلين، إلا أن ما يُميّز نهج دبي هو:

  • عدم الاكتفاء بالتعامل مع الأتمتة كخطر، بل توجيهها كفرصة لإعادة تعريف العمل المنتج.
  • تبني مفهوم “الوظائف القابلة لإعادة التكوين”، بدلاً من “الوظائف القابلة للإلغاء”، حيث يتم إعادة تأهيل العمالة ضمن تخصصات جديدة مثل الحوسبة الكمّية، وقيادة الأنظمة الذاتية، والهندسة الحيوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
  • مدن ذكية بالكامل: الحوكمة القائمة على الخوارزميات

بحلول 2040، من المتوقع أن تكون دبي قد أنجزت تحولها الكامل إلى نموذج “المدينة الإدراكية” (Cognitive City)، حيث:

  • تُدار البنية التحتية، والخدمات، والقرارات العامة عبر أنظمة تعلم ذاتي.
  • يتم التنبؤ بحاجات السكان قبل أن تُطلب، بناءً على أنماط الاستخدام، والذكاء التنبؤي.
  • تندمج مفاهيم “الهوية الرقمية الموحدة” و”الحكومة غير المرئية”، لتصبح الدولة أقرب إلى منصة تشغيل رقمية شاملة، لا إلى بيروقراطية تقليدية.
  • تعليم ما بعد المهارات: بناء العقول القابلة للتكيف

في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن يُجيد الإنسان أدوات معينة، بل يجب أن يكون قادراً على “التعلم المستمر”، و”إعادة التكوين المعرفي”، لذا من المتوقع أن تُعيد دبي صياغة منظومتها التعليمية لتكون:

  • قائمة على السيناريوهات المستقبلية لا على المناهج الثابتة.
  • موجهة نحو تخصصات تفاعلية بين العلوم (البيولوجيا + الحوسبة + الأخلاقيات).
  • مدعومة بذكاء اصطناعي تعليمي مخصص، يطوّع المحتوى بحسب سرعة استيعاب الطالب ونمط تفكيره.
  • الإنسان في قلب المعادلة: فلسفة دبي للتقنية

في خضم هذا التحول، تظل رؤية دبي قائمة على مركزية الإنسان. إذ ليست التقنية غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتوسيع إمكانياته وتحقيق رفاهيته. ولعل من أبرز ما يميز الرؤية الفلسفية لدبي مقارنة بمدن العالم، هو أنها:

  • لا تُسلِّم زمام القرار للخوارزميات، بل تضبطها بقيمها.
  • تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة بوصفها شراكة معرفية.
  • تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها “قوة أخلاقية”، تستوجب الرقابة والمسؤولية والشفافية.

مقارنة بين دبي ومدن عالمية في تطبيق الذكاء الاصطناعي في سوق العمل

في عصر يتسابق فيه العالم على قيادة التحول الرقمي، يبرز الذكاء الاصطناعي كقاسم مشترك في السياسات الحضرية والاقتصادية لكبرى المدن العالمية، غير أن طبيعة هذا السباق ليست متجانسة، بل تتفاوت استراتيجيات الدول في تبنّي الذكاء الاصطناعي بحسب رؤاها التنموية، بنية مؤسساتها، وإرثها الصناعي

دبي، رغم حداثة تجربتها مقارنة بمدن مثل سنغافورة أو لندن أو سان فرانسيسكو، استطاعت أن تفرض نفسها لاعباً رئيساً في هذا الحقل من خلال نهج “استباقي تكاملي”، وليس “رد فعل تقني”.

مقارنة سياسات الذكاء الاصطناعي في أربع مدن رائدة:

دبي لندن سنغافورة سان فرانسيسكو العنصر المقارن
استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، وخطة دبي الرقمية استراتيجية الذكاء الاصطناعي الوطنية 2020 Smart Nation + استراتيجية الحوكمة الأخلاقية ابتكار غير مركزي بقيادة القطاع الخاص الإطار الاستراتيجي
تكامل واسع مع الخدمات العامة – شرطة دبي، بلدية دبي، الجوازات تطبيقات في الصحة والتعليم رقمنة حكومية متكاملة، مركز  GovTech تركيز على القطاع التقني، لا الحكومي المجال الحكومي
تمويل حكومي مباشر وشراكات مع القطاع الخاص (مثل Microsoft, IBM) تمويل مختلط مع شراكات أكاديمية صندوق سيادي واستثمار في المؤسسات التعليمية اعتماد كبير على رؤوس الأموال الاستثمارية التمويل والاستثمار
برامج تدريب وطنية، حملات توعية رسمية مخاوف الخصوصية، نقاش مجتمعي ناقد تعليم تقني مبكر، قبول مجتمعي واسع مقاومة محدودة وتحول سريع في الشركات الاستجابة المجتمعية
سريعة ومدفوعة بقرار سياسي مركزي متوسطة بسبب البيروقراطية سريعة جداً بتخطيط بعيد المدى متقدمة تقنياً لكن بدون سياسة موحدة السرعة في التنفيذ

 

أوجه التميز في تجربة دبي:

  • القيادة المركزية والاستباقية: على عكس النموذج الأمريكي، حيث يقود القطاع الخاص تطورات الذكاء الاصطناعي دون سياسة مركزية شاملة، اختارت دبي نهجاً قائماً على حوكمة مركزية ذكية، تُوجّه التكنولوجيا ضمن أهداف تنموية واضحة.
  • سرعة التنفيذ والتكامل الحكومي: لم تكتف دبي ببناء بنية تحتية رقمية، بل جعلت الذكاء الاصطناعي جزءاً من تجربة المواطن اليومية، في الجمارك، الصحة، التعليم، والأمن، بشكل يندر وجوده حتى في المدن الغربية ذات البنية التقنية المتقدمة.
  • رؤية واضحة لرأس المال البشري: لم يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمهدد للوظائف، بل كمحفّز لتغييرها، ومن هنا، كان إطلاق برامج مثل “دبي لخبراء المستقبل” و”جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي” جزءاً من استراتيجية بعيدة المدى لإعادة تشكيل سوق العمل بدل الاكتفاء بإدارته.

التحديات المتوقعة مقارنة بالمدن الأخرى:

  • الخصوصية والحوكمة الأخلاقية: في حين طورت لندن وسنغافورة أطراً أخلاقية مستقلة لرقابة الذكاء الاصطناعي، لا تزال دبي في طور تطوير نموذجها الأخلاقي الخاص، وهو أمر حاسم خاصة في مجالات مثل التوظيف، والعدالة الرقمية.
  • الاعتماد على العمالة الوافدة: على عكس سنغافورة التي تركز على التوطين التقني، لا تزال دبي تعتمد بشكل كبير على كفاءات دولية في مجالات الذكاء الاصطناعي، ما يفرض تحدياً في بناء قاعدة وطنية تقنية ذات اكتفاء ذاتي على المدى الطويل.

رؤية القيادة لمستقبل سوق العمل

في ظل تسارع التحولات التكنولوجية والاقتصادية، لم يعد مستقبل سوق العمل في دبي مجرد قضية توظيف، بل أصبح مسألة استراتيجية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والابتكار. فبينما يفرض الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي نماذج تشغيل جديدة، تواصل دبي ترسيخ رؤيتها القائمة على الاستباقية والمرونة، حيث لا تكتفي بالتكيف مع المتغيرات، بل تصنع مستقبلها عبر الاستثمار في العقول والمهارات.

وتؤكد القيادة في دبي على أهمية الاستعداد للمستقبل من خلال تبنّي المرونة والابتكار، وفي هذا السياق، قال معالي محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء: “من يتقن المرونة يتقن المستقبل، لا يمكن أن نستشرف المستقبل دون أن نفهم الواقع، فالقناعة الوحيدة الثابتة التي ندركها كل يوم هي أن لا شيء ثابت.” وتعكس هذه الرؤية التزام دبي بتطوير سياسات واستراتيجيات تستجيب للتحولات المتسارعة في سوق العمل العالمي، مع التركيز على الاستثمار في رأس المال البشري وتعزيز الابتكار والتكنولوجيا.

إن بناء سوق عمل مستدام لا يقوم فقط على استحداث وظائف جديدة، بل على إعادة تعريف معنى “المهنة” و”المهارة” في عالم متغير، لتظل دبي في طليعة المدن القادرة على احتضان المستقبل، لا انتظاره.