في وقتٍ تتزايد فيه حساسية الأسواق تجاه أي اضطراب في النقل أو التوريد أو حركة التجارة، تمضي أبوظبي نحو بناء أدوات أكثر سرعة ومرونة للتعامل مع التقلبات الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، أعلن مكتب أبوظبي للاستثمار، بالتعاون مع مجموعة سفن إكس 7X، إطلاق منصة عضيد بوصفها مرصداً إماراتياً لدعم سلاسل الإمداد وتسهيل التجارة في إمارة أبوظبي وعلى مستوى دولة الإمارات. ولا يقتصر دور المنصة على المتابعة والرصد، بل تمتد وظيفتها إلى استقبال طلبات الدعم اللوجستي، وتحليل الاحتياجات، والمساهمة في الحفاظ على استمرارية الأعمال، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب جاهزية عالية وتدفقاً ثابتاً للمواد ومدخلات الإنتاج.
ويعكس هذا الإطلاق توجهاً اقتصادياً واضحاً يقوم على الانتقال من الاستجابة التقليدية للتحديات إلى إدارة استباقية تعتمد على البيانات والشراكات المؤسسية والتقنيات الحديثة. فبدلاً من انتظار تعثر الإمدادات أو تصاعد كلفة التشغيل، توفر المنصة نافذة موحدة يمكن من خلالها رصد التغيرات، وتحديد مواضع الضغط، وتحويل المعلومات إلى خطوات تنفيذية تساعد الشركات والجهات المعنية على التصرف بسرعة أكبر وكفاءة أعلى. وبهذا المعنى، تأتي عضيد كأداة عملية لتعزيز جاهزية المنظومة الاقتصادية، ولتأكيد قدرة أبوظبي على ترسيخ موقعها مركزاً إقليمياً وعالمياً للتجارة والاستثمار والصناعات المتقدمة.
منصة تستبق التعثر وتقرأ حركة السوق
تعتمد عضيد على دمج خبرات مكتب أبوظبي للاستثمار في دعم الأعمال وتحليل الأسواق مع القدرات التشغيلية واللوجستية لمجموعة 7X، بما يتيح متابعة أدق لحركة المدخلات الصناعية المرتبطة بالاستيراد والتصدير. وهذه النقطة بالذات تمنح المنصة قيمتها الفعلية، إذ إن كثيراً من التحديات التي تواجه الشركات لا تبدأ كأزمة كبيرة، بل تظهر في صورة تأخر جزئي، أو نقص في مورد بعينه، أو صعوبة في الوصول إلى بدائل مناسبة. ومن خلال القراءة المبكرة لهذه المؤشرات، يمكن التدخل قبل اتساع الأثر وتحوّله إلى عائق مباشر أمام الإنتاج أو التجارة أو الالتزامات التعاقدية.
وتستند المنصة إلى بنية تشغيلية متقدمة توفرها 7X عبر شبكة خدماتها وشركائها، وهو ما يسمح بتقديم حلول تمتد عبر النقل الجوي والبحري والبري، محلياً ودولياً، إلى جانب خدمات تنفيذ الطلبات وما يرتبط بها من أعمال لوجستية مساندة. وتكمن أهمية هذه المنظومة في أنها لا تقدم خياراً واحداً جامداً، بل تفتح المجال أمام تعدد البدائل وسرعة التحول بينها بحسب طبيعة التحدي. وهذا النوع من الجاهزية يعد عنصراً حاسماً للشركات التي تعتمد على تدفق مستمر للمواد الخام أو المكوّنات أو السلع الوسيطة، ولا تحتمل التوقف أو بطء الدورة التشغيلية.
وفي جوهر عملها، تستثمر عضيد تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل إنتاج رؤى عملية قابلة للتنفيذ، لا مجرد مؤشرات نظرية. فالمنصة، وفق ما أُعلن، تساعد على تنظيم الطلبات، وتحديد الفجوات في احتياجات سلاسل الإمداد، وربط المستخدمين بالخبرات المتخصصة في التجارة والخدمات اللوجستية. والنتيجة المتوقعة هي رفع كفاءة الإجراءات وتقليص زمن الاستجابة، بما يسمح للشركات والجهات الحكومية باتخاذ قرارات أكثر دقة في الوقت المناسب. ومن هنا، لا تبدو المنصة مجرد أداة تقنية إضافية، بل إطاراً تشغيلياً يربط بين المعلومة والتحليل والتدخل العملي في آن واحد.
شراكة مؤسسية توزع الأدوار وتوحد الاستجابة
ما يمنح عضيد ثقلاً إضافياً هو أنها لم تُبنَ على جهد منفرد، بل على شراكة مؤسسية تضم إلى جانب مكتب أبوظبي للاستثمار و7X كلاً من دائرة التنمية الاقتصادية – أبوظبي، وجمارك أبوظبي، وغرفة تجارة وصناعة أبوظبي، ومجلس أبوظبي للجودة والمطابقة. وهذه التركيبة تعكس فهماً واضحاً لطبيعة سلاسل الإمداد الحديثة، التي لا يمكن إدارتها من زاوية واحدة فقط؛ إذ تتقاطع فيها السياسة الاقتصادية، والإجراءات الجمركية، والاعتماد الفني للمصادر البديلة، واحتياجات مجتمع الأعمال، فضلاً عن القدرة اللوجستية على التنفيذ. ومن ثم، فإن المنصة لا تقدم حلاً جزئياً، بل تبني آلية عمل متكاملة تتوزع فيها المسؤوليات بصورة محددة ومنسقة.
وبحسب نموذج العمل المعلن، تتولى دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي وضع التوجهات والسياسات التي تواكب المتغيرات الاقتصادية، فيما تعمل جمارك أبوظبي على دعم سلاسل الإمداد وإدارة الحلقة اللوجستية بين المنافذ، إلى جانب معالجة تحديات الاستيراد والتصدير. أما مجلس أبوظبي للجودة والمطابقة، فيضطلع بدور مهم يتمثل في اعتماد مصادر التوريد البديلة، وهو جانب بالغ الأهمية حين تواجه الشركات انقطاعاً أو تأخراً في بعض الأسواق أو خطوط التوريد. ويعني ذلك أن كل جهة تدخل في نقطة محددة من السلسلة، بما يقلل التداخل ويعزز سرعة المعالجة ويضمن أن يكون الدعم المقدم قائماً على اختصاص واضح لا على اجتهادات متفرقة.
وفي السياق نفسه، تضطلع مجموعة عمل التجارة في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي بمهمة تحديد التحديات وإحالتها ضمن آلية واضحة ومنظمة، بحيث تُتابَع الطلبات وتُدار عبر شبكة الشركاء لضمان تقديم الدعم المناسب واستمرار حركة التجارة. ويكمل هذا الدور ما يقوم به فريق التجارة والصناعة في مكتب أبوظبي للاستثمار من مساعدة الشركات على تحديد الموردين المحليين والدوليين وربطها بهم، فيما تتولى 7X تنسيق منظومة النقل والخدمات اللوجستية لتأمين انسياب السلع بكفاءة وموثوقية. وتُظهر هذه المنظومة، في مجملها، نموذجاً عملياً للتكامل بين القطاعين العام والخاص، حيث تتكامل الرؤية الحكومية مع الطاقة التنفيذية للشركات المتخصصة.
من تعزيز الجاهزية إلى توسيع الأثر على مستوى الدولة
الرسالة الأبرز التي يحملها إطلاق عضيد هي أن استدامة النمو الاقتصادي لم تعد مرتبطة فقط بجذب الاستثمارات أو توسيع النشاط التجاري، بل أيضاً بمدى القدرة على حماية هذا النشاط من الهزات الخارجية، وضمان استمراره تحت مختلف الظروف. وفي هذا الإطار، أكد محمد علي الكمالي، الرئيس التنفيذي للتجارة والصناعة في مكتب أبوظبي للاستثمار، أن المنصة توفر للشركات أدوات تحليلية تستند إلى بيانات لحظية وإرشادات عملية، بما يدعم استمرارية الأعمال ويخدم مستهدفات أبوظبي في النمو الاقتصادي وترسيخ مكانتها العالمية. ويعني ذلك أن عضيد ليست مبادرة مرحلية لمعالجة ظرف طارئ، بل جزء من رؤية أوسع تقوم على رفع كفاءة الاقتصاد وتعزيز قدرته التنافسية على المدى الطويل.
ومن جانبه، وصف طارق الواحدي، الرئيس التنفيذي لمجموعة سفن إكس 7X، المنصة بأنها نموذج متقدم للتكامل بين القطاعين العام والخاص في بناء سلاسل إمداد أكثر كفاءة واستدامة، مشيراً إلى أن الجمع بين الرؤية الحكومية والقدرات التشغيلية يتيح دعماً عملياً وسريعاً لاستمرارية الأعمال. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة إذا ما نظرنا إلى التحولات التي تشهدها التجارة العالمية، حيث أصبحت المرونة التشغيلية وسرعة التحرك عنصرين حاسمين في الحفاظ على تنافسية المدن والمراكز الاقتصادية. ومن ثم، فإن نجاح المنصة لن يقاس فقط بعدد الطلبات التي تعالجها، بل بقدرتها على خلق بيئة أعمال أكثر اطمئناناً، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات والتحول السريع إلى البدائل المناسبة.
ولا يتوقف الطموح عند حدود أبوظبي؛ إذ أُعلن عن التطلع إلى توسيع نطاق عضيد ليشمل مختلف إمارات الدولة، بما يوسّع دائرة الاستفادة ويتيح وصول الدعم إلى شريحة أكبر من الشركات على المستوى الوطني. وهذا التوسع، إذا تحقق، سيمنح دولة الإمارات أداة أكثر شمولاً في إدارة تحديات التجارة وسلاسل الإمداد، وسيعزز قدرتها على ترسيخ موقعها بوصفها مركزاً عالمياً للتجارة والصناعة والاستثمار. وبين الرصد الذكي، والتنسيق المؤسسي، والحلول اللوجستية المتكاملة، تبدو عضيد خطوة متقدمة في بناء اقتصاد لا يكتفي بالنمو، بل يمتلك أيضاً القدرة على حماية نموه وصيانته في عالم سريع التغير.