ليس النفط سلعة عادية في التاريخ الاقتصادي الحديث. فهو، منذ اكتشافه تجارياً في الولايات المتحدة عام 1859، ثم تحوله خلال العقود الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين إلى عصب للصناعة والنقل والطاقة، لم يكن مجرد مادة تُستخرج من باطن الأرض وتُباع في الأسواق، بل كان دائماً جزءاً من معادلة أوسع تجمع الاقتصاد بالسياسة، وتربط الصناعة بالقوة، وتكشف في كل أزمة أن الأسعار ليست أرقاماً محايدة بقدر ما هي تعبير عن موازين النفوذ والخوف والندرة والوفرة. ومن هنا، فإن الحديث عن بدايات تسعير البترول ليس حديثاً عن تطور تقني في أساليب البيع فحسب، بل عن انتقال طويل من عالم كانت الشركات الكبرى تُملي فيه السعر، إلى عالم صار السعر فيه يُصاغ عبر السوق والمؤشرات والعقود والمرجعيات الإقليمية، مع بقاء السياسة حاضرة في الخلفية دائماً.
في البدايات الأولى لصناعة النفط الحديثة، ولا سيما من مطلع القرن العشرين حتى الخمسينيات، لم يكن هناك ما نعرفه اليوم من أسواق فورية واسعة، ولا شاشات تتقلب عليها الأسعار كل دقيقة. كانت الشركات النفطية الكبرى، ولا سيما في النصف الأول من القرن العشرين وحتى ما قبل تأسيس منظمة «أوبك» في بغداد خلال الفترة من 10 إلى 14 سبتمبر 1960، هي التي تحدد ما عُرف بالسعر المعلن، وهو سعر يُستخدم أساساً لحساب الضرائب والإتاوات وعمليات البيع طويلة الأجل. وبكلمة أبسط، لم يكن السعر نتيجة مساومة يومية مفتوحة بين قوى السوق، بل كان أقرب إلى قرار إداري يصدر من أعلى. ولذلك، حين كانت هذه الأسعار ترتفع أو تنخفض، لم يكن الأمر دائماً انعكاساً مباشراً لحركة العرض والطلب، بل كان أيضاً ترجمة لميزان القوة بين الشركات المالكة للامتيازات والدول التي يقع النفط في أراضيها.
ومع اتساع أهمية النفط في الاقتصاد العالمي، وازدياد وعي الدول المنتجة بقيمة موردها الاستراتيجي، بدأ ذلك النظام يفقد قدرته على الاستمرار. وجاءت العقود اللاحقة، ولا سيما من الستينيات إلى الثمانينيات، لتشهد تحولاً عميقاً: لم يعد السعر مجرد رقم تعلنه شركة، بل صار يُبنى على مؤشرات مرجعية عالمية، مثل برنت وغرب تكساس الوسيط ودبي/عُمان. وهذا التحول لم يكن مجرد تحديث شكلي، بل نقل النفط من منطق السعر الإداري الجامد إلى منطق التسعير المرتبط بالسوق. فكل خام نفطي لم يعد يُباع كأنه عالم مستقل، بل صار يُسعَّر بالقياس إلى خام مرجعي، مع إضافة فرق سعري أو خصم يعكس الجودة ونسبة الكبريت والكثافة ومكان التسليم وظروف الطلب في الأسواق المقصودة. وقد أُطلق عقد غرب تكساس الوسيط الآجل في مارس 1983، ثم انطلقت عقود برنت الآجلة في يونيو 1988، لترسّخ البنية الحديثة لاكتشاف السعر في السوق الدولية.
الخليج: من بيع الخام إلى صناعة المرجعية
حين دخل الخليج بقوة إلى قلب الاقتصاد النفطي العالمي، لم يكن بعيداً عن هذا المسار العام. فقد بدأت دوله، مثل غيرها من البلدان المنتجة، في إطار الامتيازات التقليدية والأسعار الرسمية التي تحددها الشركات الأجنبية. لكن الطفرة الكبرى في إنتاج الخليج وتصديره، ثم انتقال مركز الطلب العالمي تدريجياً نحو آسيا منذ السبعينيات وبصورة أوضح في الثمانينيات والتسعينيات، فرضا على المنطقة أن تجد لنفطها منطقاً تسعيرياً يليق بموقعها وبنوعية خاماتها. ولم يعد من الملائم أن تُسعَّر خامات الخليج كلها على صورة خامات أوروبا أو أميركا، لأن الأسواق النهائية مختلفة، وخصائص الخامات نفسها مختلفة.
من هنا برزت أهمية خام دبي وخام عُمان بوصفهما مرجعاً لتسعير نسبة كبيرة من صادرات الشرق الأوسط المتجهة إلى آسيا. وكان هذا التحول بالغ الدلالة، لأنه عبّر عن نضج السوق الخليجية وانتقالها من موقع التابع في عملية التسعير إلى موقع الشريك المؤثر فيها. فالتسعير في الخليج لم يعد، منذ ذلك الحين، مجرد إعلان سعر رسمي، بل أصبح معادلة دقيقة: مرجع إقليمي معروف، وفارق سعري يحدد موقع كل خام داخل السلم النفطي العام. وعلى هذا الأساس، صارت الخامات الخليجية تُقاس لا بمعزل عن السوق، بل من خلال موضعها داخل شبكة عالمية من المقارنات والفروق النوعية. وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن دبي/عُمان يُعد واحداً من المعايير الدولية الثلاثة الرئيسة، كما أن إنتاج خام دبي نفسه كان قد تراجع إلى نحو 34 ألف برميل يومياً فقط في عام 2013، ما عزز أهمية متوسط دبي/عُمان بوصفه مرجعاً أوسع.
والحق أن هذه المرحلة كشفت معنى مهماً كثيراً ما يضيع في النقاش العام: السيادة على النفط لا تعني فقط امتلاك الحقول، بل تعني أيضاً امتلاك القدرة على إدارة السعر بحكمة. فليس المقصود أن تفرض الدولة رقماً تشاء، لأن السوق الدولية لا تستجيب للرغبات المجردة، وإنما أن تعرف كيف تضع خامها في المرجعية المناسبة، وكيف تدير فروقه السعرية، وكيف تستخدم قدرتها الإنتاجية ومكانتها داخل السوق بما يصون مصالحها. وبهذا المعنى، أصبح الخليج مع الزمن ليس مجرد منطقة إنتاج ضخمة، بل فضاءً رئيساً من فضاءات اكتشاف السعر النفطي وتوجيهه. وفي هذا السياق، اكتسب عقد عُمان الآجل، الذي أُطلق مع تأسيس بورصة دبي للطاقة في يونيو 2007، أهمية إضافية لأنه أصبح المرجع الصريح والوحيد لأسعار البيع الرسمية لخامَي عُمان ودبي، أي للعلامتين التاريخيتين لصادرات الشرق الأوسط إلى آسيا والمحيط الهادئ.
الإمارات: بين خام التصدير وسعر المستهلك
في الإمارات، تأخذ مسألة التسعير وجهين متكاملين، لكنهما مختلفان في الطبيعة. الأول يتعلق بتسعير الخام المخصص للتصدير، والثاني يتعلق بتسعير الوقود داخل السوق المحلية. وعلى صعيد الخام، كانت الإمارات جزءاً أصيلاً من البنية السعرية الخليجية، من خلال خامات مهمة مثل مربان وزاكوم العلوي وغيرها. ومع تطور السوق، لم تكتف الدولة بالتحرك داخل الأطر التقليدية، بل خطت خطوة أكثر تقدماً حين دفعت باتجاه ترسيخ خام مربان مرجعاً أكثر استقلالاً ووضوحاً في التسعير. وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن بعض الخامات الإماراتية تدخل ضمن سلة خامات مؤشر دبي/عُمان، ما يضع الإمارات في قلب البنية السعرية الموجهة إلى الأسواق الآسيوية.
وهنا تكمن أهمية التجربة الإماراتية الحديثة. فبدلاً من الاكتفاء بربط الخام الإماراتي بمرجع خارجي كما كان سائداً لفترة طويلة، اتجهت أبوظبي إلى تطوير عقد آجل لخام مربان، بما يمنح السوق أداة أوضح لاكتشاف السعر، ويمنح المنتجين والمتعاملين قدرة أكبر على التحوط والشفافية. وهذه الخطوة لا ينبغي النظر إليها بوصفها تفصيلاً فنياً يخص المتخصصين فقط، بل بوصفها علامة على انتقال الإمارات من مرحلة التكيّف مع المرجعيات القائمة إلى مرحلة الإسهام في صناعة المرجعية نفسها. فحين يصبح لخامك عقد متداول، فإنك لا تبيع نفطاً فقط، بل تطرح على السوق أداة سعرية جديدة تعكس الثقة والاستقرار والقدرة على جذب التداول. وقد بدأت «أدنوك» الانتقال إلى التسعير الآجل في مارس 2020، ثم بدأ تداول عقود مربان الآجلة رسمياً في 29 مارس 2021، على أن يرتبط التسعير بها ابتداءً من يونيو 2021 مع أول تاريخ استحقاق.
أما في الداخل، فإن قصة التسعير تسير في اتجاه آخر، يرتبط بالمستهلك وحركة المعيشة اليومية. فقد اتخذت الإمارات قراراً مهماً بتحرير أسعار الوقود وربطها بالأسعار العالمية، ضمن آلية مراجعة شهرية تأخذ متوسطات السوق وتضيف إليها التكاليف المرتبطة بالنقل والتوزيع والتشغيل. ومعنى ذلك أن أسعار البنزين والديزل داخل الدولة لم تعد تقوم على التثبيت الدائم، بل على نقل منظم لإشارة السوق العالمية إلى الداخل. وهذه الآلية تجمع بين الانضباط والمرونة: فهي لا تترك السعر لتقلبات يومية مربكة، لكنها في الوقت نفسه لا تعزله عن العالم عزلاً كاملاً. ولهذا بدت الإمارات، في هذا المجال أيضاً، كأنها تختار طريقاً وسطاً بين تحرر السوق من جهة، والإدارة الرشيدة لأثره الاجتماعي من جهة أخرى. وقد دخل قرار تحرير الأسعار حيز التنفيذ في 1 أغسطس 2015، مع اعتماد سياسة تسعير شهرية مرتبطة بالأسعار العالمية للبنزين والديزل.
حين يعلو السعر: كيف تقع الأزمات وكيف يجري التصحيح؟
أشهر أزمات النفط لم تكن مجرد ارتفاعات رقمية، بل كانت لحظات أعادت تعريف العلاقة بين الاقتصاد العالمي والطاقة. أزمة 1973، على سبيل المثال، لم تكن حدثاً تجارياً محدوداً، بل صدمة كشفت أن النفط قادر على أن يهز الدول الصناعية الكبرى حين يضطرب تدفقه أو يُستخدم أداة ضغط سياسي. وقد جاءت الأزمة في سياق حرب أكتوبر 1973، ثم تصاعدت مع إجراءات الحظر وخفض الإنتاج في أكتوبر من ذلك العام، فقفز السعر من نحو 2.90 دولار للبرميل قبل الحظر إلى 11.65 دولاراً للبرميل في يناير 1974، قبل أن يُرفع الحظر رسمياً في مارس 1974. ارتفعت الأسعار حينها على نحو حاد، لكن الأهم من الارتفاع نفسه أن العالم أدرك أن عصر النفط الرخيص ليس قدراً دائماً. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النفط مجرد مدخل إنتاج، بل صار عاملاً استراتيجياً يحدد شكل التضخم والنمو والسياسة الدولية معاً.
ثم جاءت أزمة 1979 مع الثورة الإيرانية، لتؤكد درساً آخر بالغ الأهمية: السعر لا يرتفع فقط عندما يقل النفط فعلاً، بل أيضاً حين يخشى السوق أن يقل. فالخوف نفسه يدخل في التسعير. وقد بدأت الإضرابات في حقول النفط الإيرانية خلال خريف 1978، وبحلول يناير 1979 كان إنتاج إيران قد انخفض بنحو 4.8 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 7% من الإنتاج العالمي في ذلك الوقت. ويكفي أحياناً أن يتوقع المتعاملون نقصاً كبيراً أو اضطراباً طويلاً حتى تبدأ الأسعار بالصعود، لأن السوق تسعّر المستقبل بقدر ما تسعّر الحاضر. ثم جاءت الحرب العراقية – الإيرانية في سبتمبر 1980 لتضيف صدمة جديدة، إذ قُدّر الفاقد المشترك من إنتاج البلدين بنحو 6% من الإنتاج العالمي آنذاك، وهو ما عمّق أثر الأزمة الثانية الممتدة بين 1979 و1980. وهذه سمة جوهرية في النفط أكثر من غيره من السلع، لأن أثره يمتد إلى النقل والصناعة والكهرباء والتضخم، أي إلى نبض الاقتصاد كله.
أما تصحيح السعر، فلا يتم عادة بوسيلة واحدة. ففي بعض الحالات، يكون التصحيح نتيجة زيادة المعروض، سواء عبر رفع الإنتاج من كبار المنتجين أو عبر عودة الإمدادات التي انقطعت بسبب حرب أو أزمة. وفي حالات أخرى، يكون التصحيح نتيجة انكماش الطلب، كما حدث في أزمات الركود الكبرى حين تراجع النشاط الاقتصادي فخف الضغط على السوق. وهناك أيضاً أدوات أكثر مباشرة، مثل السحب من المخزونات الاستراتيجية التي تحتفظ بها الدول الصناعية الكبرى لتخفيف أثر الصدمات المفاجئة. وهذه الآلية لا تلغي الأزمة، لكنها تكسر ذروة الذعر وتمنح السوق وقتاً حتى تستعيد توازنها. وقد أُنشئت وكالة الطاقة الدولية عام 1974 لهذا الغرض، وشهدت عمليات السحب الجماعي المنسق أعوام 1991 و2005 و2011 ومرتين في 2022، ثم مرة سادسة في مارس 2026.
وتظهر أهمية التواريخ في الأزمات اللاحقة أيضاً. فعندما غزا العراق الكويت في 2 أغسطس 1990، ارتفعت أسعار النفط في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الأول فقط من نحو 22 دولاراً إلى 30 دولاراً للبرميل، أي بزيادة تقارب 36%، كما تعطلت على الفور معظم إمدادات العراق والكويت التي كانت تمثل معاً نحو 4.3 ملايين برميل يومياً. ثم بدأت «عاصفة الصحراء» في 17 يناير 1991، ومع تراجع مخاوف النقص الطويل الأمد بدأت الأسعار تهدأ. وبعد ذلك بسنوات، شهد العالم دورة 2007-2008 التي بلغت ذروتها في 3 يوليو 2008 حين لامس سعر النفط 145 دولاراً للبرميل، قبل أن ينهار مع الأزمة المالية العالمية إلى نحو 35.5 دولاراً لخام برنت المؤرخ بحلول 23 ديسمبر 2008. وهنا يظهر بوضوح أن السوق لا يصحح الأسعار فقط عبر الجغرافيا السياسية، بل أيضاً عبر الركود، وتدمير الطلب، وتبدل التوقعات.
وفي الأزمات الحديثة، صار ضبط التسعير أكثر تعقيداً مما كان عليه في الماضي. فلم تعد المسألة محصورة بين منتج يرفع إنتاجه أو يخفضه، بل دخلت عوامل جديدة مثل المضاربات المالية، والعقود الآجلة، والقرارات التنظيمية، وحجم المخزونات، وحتى الحالة النفسية للأسواق. لذلك، فإن السعر في أوقات الأزمات لا يُصحَّح بقرار واحد بقدر ما يُضبط عبر تفاعل عدة أدوات معاً: زيادة الإمدادات حيث أمكن، استخدام المخزون الاستراتيجي، إعادة ترتيب الحصص الإنتاجية، امتصاص الصدمة في الأسواق المحلية عبر الدعم المؤقت أو المراجعات المنظمة، ثم انتظار ما إذا كان الاقتصاد العالمي نفسه سيُبطئ الطلب ويعيد التوازن من تلقاء ذاته. وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن الدول الأعضاء كانت تحتفظ في مارس 2026 بأكثر من 1.2 مليار برميل من المخزونات الطارئة العامة، إضافة إلى نحو 600 مليون برميل من المخزونات الصناعية الملزمة حكومياً، وهي أرقام تشرح كيف تحاول الدول الكبرى تليين أثر الصدمات عندما تشتد.
هكذا يتضح أن تسعير النفط ليس علماً جافاً ولا شأناً فنياً خالصاً، بل رواية طويلة عن السلطة والسوق والندرة. في العالم بدأ السعر قراراً إدارياً تُمسكه الشركات الكبرى، ثم تحول إلى منظومة مرجعيات سوقية. وفي الخليج صار التسعير جزءاً من صعود المنطقة بوصفها مركزاً لا غنى عنه في معادلة الطاقة. وفي الإمارات اتخذ هذا المسار بعداً أكثر نضجاً، حين تطور من المشاركة في المرجعية الخليجية إلى بناء مرجعية أكثر استقلالاً لخام مربان، بالتوازي مع آلية داخلية منضبطة لتسعير الوقود. ولهذا فإن السؤال عن سعر النفط ليس سؤالاً عن رقم فحسب، بل عن العالم كله وهو يعيد، كل يوم، تعريف قيمة الطاقة وحدود القوة.