في الاقتصادات الصاعدة لا تبدأ المدن من الإسمنت، بل من الفكرة التي تُعيد تعريف الأرض. فالأرض قبل التنظيم مجرد طبيعة صامتة، وبعد التنظيم تصبح أصلاً اقتصادياً، ثم تتحول مع الزمن إلى ذاكرة جماعية ومجال للاستثمار والعمل والسكن والرمز. ومن هنا فإن تاريخ التطوير العقاري في الإمارات ليس قصة مبانٍ ارتفعت فقط، بل قصة انتقال عميق من إدارة المكان بوصفه حاجة أولى، إلى إدارته بوصفه قطاعاً ينتج القيمة ويعيد تشكيل المجتمع. ولذلك فإن سؤال البدايات لا ينبغي أن يُجاب عنه بعجلة: من هي أولى شركات التطوير العقاري؟ وما أول برج في الدولة؟ لأن الجواب الدقيق يقتضي التمييز بين البدايات المؤسسية التي مهدت للسوق، وبين البدايات التجارية التي صنعت الصناعة، وبين البرج بوصفه معلَماً مدنياً، والبرج بوصفه ناطحة سحاب دشنت زمناً جديداً.
قبل الشركات…حين سبق التنظيمُ السوق
إذا أردنا أن نكتب تاريخ التطوير العقاري في الإمارات كتابة منصفة، فلا يجوز أن نبدأ باسم شركة قبل أن نذكر الإطار الذي جعل الشركات ممكنة أصلاً. ففي دبي مثلاً تأسست دائرة الأراضي في 23 يناير 1960، حيث كانت البداية التي بشرت بولادة السوق العقارية الحديثة، إذ تولت تسجيل الأراضي، وتنظيم التعاملات، وصياغة البيئة التشريعية التي سمحت للعقار بأن يتحول لاحقاً من مجرد ملكيةٍ ثابتة إلى قطاعٍ اقتصاديٍ منظم. ومعنى ذلك أن البداية الأولى لم تكن شركةً خاصةً، بل مؤسسةً عامةً أنشأت اللغة القانونية والإجرائية التي سيتكلم بها السوق فيما بعد.
ومن هنا نفهم لماذا يصعب تاريخياً أن نسمِي “أول شركة تطوير عقاري في الإمارات” على نحوٍ قاطع. فالبدايات الحقيقية كانت موزعة بين دوائر الأرض والبلديات والمشروعات العامة، ثم جاءت الشركات المتخصصة في مرحلةٍ لاحقة حين اتسع السوق، وتطورت أدوات التمويل، وتبلورت قوانين الملكية والاستثمار. وقد سرَّعت التشريعات هذا التحول بوضوح، ففي أبوظبي أتاح القانون رقم 19 لسنة 2005 صوراً من تملك العقار للوافدين، وفي دبي نصَّ قانون رقم 7 لسنة 2006 على إمكان منح غير المواطنين حق التملك الحر في مناطق يحددها الحاكم، إلى جانب حقوق الانتفاع والإيجار طويل الأمد. هنا توسع التطوير العقاري بشكله الصناعي والاستثماري الواسع، لا بوصفه بناءً فقط، بل بوصفه نموذجاً اقتصادياً كاملاً.
أقدم الشركات المتخصصة في التطوير العقاري
سنتحدث عن أقدم الشركات المتخصصة التي مثلت البدايات الواضحة للقطاع بصورته الحديثة. وفي مقدمة هذه الأسماء تبرز “الاتحاد العقارية”، لأن جذورها تعود إلى سنة 1987 حين بدأت باسم Union Property Private Limited، ثم تحولت إلى شركة مساهمة عامة في 28 أكتوبر 1993. وتُظهر تقاريرها أن نشاطها منذ ذلك الحين قام على الاستثمار والتطوير العقاري وإدارة الممتلكات، وأنها أنجزت خلال أكثر من ثلاثة عقود مشروعات سكنية وتجارية وصناعية وترفيهية كبرى في دبي. لذلك يمكن اعتبارها من أقدم المطورين الإماراتيين المتخصصين الذين استمر حضورهم المؤسسي حتى اليوم.
ثم جاءت “إعمار العقارية” في 1997، وكانت لحظةً فارقةً لا لأن الشركة كانت الأقدم زمناً، بل لأنها دفعت القطاع إلى مستوى آخر من الحجم والخيال والإدارة. فوثائقها الرسمية تنص على أنها تأسست في 23 يونيو 1997 وبدأت عملياتها في 29 يوليو من العام نفسه. ومعها لم يعد التطوير يعني تشييد بناية أو مجمع محدود، بل بناء مجتمعات متكاملة، وإدارة أصولٍ، وربط السكن بالتجزئة والضيافة والفضاء العام. وبعدها بسنوات رسخت “الدار العقارية” حضور أبوظبي المؤسسي في هذا المجال، إذ تُظهر بياناتها الرسمية أن تأسيسها تم في 2004 وأُعلنت شخصيتها الاعتبارية بقرار وزاري في 2005. وعليه، فإن البدايات الأوضح للقطاع لا تُختزل في اسم واحد، بل في موجات متعاقبة: تمهيد تنظيمي مبكر، ثم مطورون متخصصون مثل الاتحاد العقارية، ثم مطورون كبار وسَّعوا السوق مثل إعمار والدار.
ما هو أول برج في الإمارات… الفرق بين المعنى التراثي والمعنى الحديث
إذا كان المقصود بالبرج البنية البرجية على إطلاقها، فإن الإمارات عرفت أبراجاً دفاعيةً أقدم بكثير ضمن الحصون والمواقع التراثية، ويكفي أن نتذكر البرج الأصلي في قصر الحصن في أبوظبي الذي تعود جذوره إلى القرن الثامن عشر. لكن إذا كان المقصود البرج المدني الحديث في ذاكرة المدينة المعاصرة، فإن الصورة تصبح أكثر تحديداً: يبرز “برج الساعة” في ديرة بوصفه من أقدم المعالم البرجية المدنية في دبي، وقد بُني سنة 1963، وما زال إلى اليوم علامة على مرحلة الانتقال من بلدة ساحلية بسيطة إلى مدينة تنظم فضاءها الحضري برموزٍ واضحة. لذلك فمن الخطأ الخلط بين البرج التراثي الدفاعي، والبرج المدني، وناطحة السحاب الحديثة، لأن لكل واحدٍ منها سياقاً مختلفاً ومعنىً مختلفاً.
لكن إذا كان السؤال عن البرج الذي افتتح عصر الارتفاعات الحديثة، وعن المبنى الذي جعل البرج جزءاً من الاقتصاد والصورة والمدينة الجديدة، فإن الجواب الأرجح هو برج الشيخ راشد، المعروف أيضاً ببرج مركز دبي التجاري العالمي. فالمصادر الرسمية لمركز دبي التجاري العالمي تصفه بأنه أول برج رئيسي ومركز أعمال في دبي، بينما تصفه مصادر دبي الرسمية الحديثة بأنه أول ناطحة سحاب في المدينة، وترتفع كتلته إلى 149 متراً، وقد ظل الأعلى في المنطقة لنحو عشرين عاماً. وبناءً على ذلك يمكن القول، بدقةٍ لا مبالغة فيها، إن برج الشيخ راشد لم يكن أول برجٍ في الإمارات بالمعنى المطلق، لكنه كان البداية الحقيقية لعصر الأبراج الشاهقة الحديثة في الدولة.
قصة برج الشيخ راشد… كيف صار المبنى حدثاً اقتصادياً
تبدأ قصة هذا البرج قبل افتتاحه بسنوات، حين وجَّه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم المعماري البريطاني جون هاريس إلى تصميمه، وبدأ العمل عليه في 1974، ثم افتتحته الملكة إليزابيث الثانية في 26 فبراير 1979. واللافت في قصته ليس الارتفاع وحده، بل الفكرة التي قام عليها. ففي ذلك الوقت لم يكن محيطه هو قلب دبي كما يتخيله الناس اليوم، لكن الرهان كان واضحاً: إذا أُنشئ مركز للتجارة والمعارض والأعمال على هذا النطاق، فسوف يتحرك العمران والتجارة نحوه، وسوف يتغير محور المدينة نفسه. وهذا ما حدث فعلاً، فالبرج لم يضف شكلاً جديداً إلى الأفق فحسب، بل ساهم في نقل الثقل الاقتصادي تدريجياً إلى امتداد شارع الشيخ زايد، وربط صورة دبي بفكرة الأعمال الدولية والمعارض والمؤتمرات. هنا لم يعد المبنى حجراً مرتفعاً فقط، بل صار أداةً لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي في المدينة.
لهذا تبدو العلاقة بين أوائل شركات التطوير العقاري وأول برجٍ حديث علاقة عضوية لا زمنية فقط. فالمؤسسات التنظيمية مثل دائرة الأراضي صنعت الإطار، والشركات المتخصصة مثل الاتحاد العقارية ثم إعمار والدار صنعت القطاع، وبرج الشيخ راشد صنع الخيال الذي أثبت أن الارتفاع يمكن أن يكون لغة اقتصادية، لا مجرد صورةٍ معمارية. ومن هذه الزاوية، فإن تاريخ العقار في الإمارات ليس حكاية ثراء عمراني سريع، بل تاريخ تراكمٍ مؤسسي وفكري: تنظيم أولاً، ثم شركات، ثم معالم كبرى منحت السوق ثقته بنفسه. ولهذا بقي برج الشيخ راشد أكثر من مبنى، وبقيت الشركات الأولى أكثر من أسماء، كلاهما شكَّل اللحظة التي بدأ فيها المكان في الإمارات يُنتِج قيمة لا تُقاس بالمتر وحده، بل بما يفتحه من أفق للعمل والسكن والاستثمار والمعنى.