يستعد أسبوع دبي للتصميم 2026 لإطلاق دورته الـ12 في الثالث من نوفمبر المقبل، حاملا معه مجموعة من المشاريع والتجارب الإبداعية التي تفتح آفاقا جديدة للحوار بين الفن والهوية والطبيعة، وتقدم رؤية مختلفة للتصميم من خلال الألوان الجريئة والأعمال الفنية المبتكرة والمساحات المعمارية التي تعزز ارتباط الإنسان بمحيطه.
وعلى مدى أكثر من عشر سنوات، نجح أسبوع دبي للتصميم في جمع المصممين والمعماريين والفنانين والمبدعين من مختلف أنحاء المنطقة والعالم، إلى جانب استقطاب الجمهور المهتم بالفنون والتصميم. وتأتي النسخة الجديدة لتسلط الضوء على أهمية التصميم في تعزيز التواصل وبناء العلاقات الإنسانية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في طرق العمل والتفاعل والتواصل.
وتتناول المشاريع المشاركة هذا العام التجارب واللقاءات التي تنشأ حول التصميم، انطلاقا من المساحات التي تجمع الناس، واللغات التي يعبرون بها عن أنفسهم، وصولا إلى المواد والأشياء والأنظمة التي تشكل تفاصيل حياتهم اليومية.
ويتجسد هذا التوجه في برنامج متنوع يضم المعارض والتركيبات الفنية والمشاريع المعمارية والجلسات الحوارية وورش العمل والفعاليات العامة، إلى جانب تجارب تستكشف مجالات الحرف والتكنولوجيا والمواد المبتكرة، بما يمنح الزوار فرصة التعرف إلى أفكار جديدة تجمع بين الإبداع والهوية والثقافة.
داون تاون ديزاين 2026.. عودة الألوان والابتكار
يعود معرض «داون تاون ديزاين»، الحدث الرئيس ضمن أسبوع دبي للتصميم، بمجموعة من التصاميم المعاصرة والراقية التي تركز على الابتكار والجودة، مع توجه واضح نحو تقديم تجربة أكثر حيوية وجرأة في استخدام الألوان والأشكال.
وأكدت مديرة المعرض، ميت ديغن كريستنسن، أن القائمين عليه يحرصون في كل عام على تقديم نسخة مختلفة تتجاوز التوقعات وتكسر الأنماط المألوفة، مع المحافظة على المستوى الرفيع للتصاميم المعروضة.
وأوضحت أن السنوات الماضية شهدت انتشارا واسعا للتصاميم البسيطة والألوان الهادئة، خصوصا درجات البيج، إلا أن التوجه في الدورة الحالية يميل إلى إدخال مزيد من الألوان المبهجة والتفاصيل الجريئة التي تعكس التفاؤل والتعافي والعودة إلى الحياة.
ومن أبرز ما يميز المعرض هذا العام، المساحة المؤقتة التي تقدمها «مجموعة ميمفيس»، وهي حركة تصميمية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي، واشتهرت بأسلوبها غير التقليدي في الجمع بين الألوان القوية والأشكال المبتكرة، بما يجعل مشاركتها إضافة لافتة إلى التجربة البصرية للزوار.
ويضم المعرض في دورته الجديدة 156 مصمما وعلامة تجارية عارضة، إلى جانب مشاركة واسعة في البرنامج المصاحب، الذي يشهد هذا العام حضورا كبيرا للمبدعين والمشاركين في الأنشطة والتجارب المختلفة.
وتعكس هذه المشاركات حرص المعرض على تقديم أفكار متنوعة، تجمع بين أحدث اتجاهات التصميم العالمية والمشاريع الإبداعية التي تنطلق من المنطقة، مع إتاحة المجال أمام الزوار لاكتشاف منتجات وتجارب تجمع بين الجمال والوظيفة والابتكار.
حضور إماراتي يعزز مستقبل صناعة التصميم
يحظى المصممون والمبدعون المقيمون في دولة الإمارات بحضور بارز ضمن فعاليات أسبوع دبي للتصميم، في خطوة تعكس الاهتمام المتواصل بدعم المواهب المحلية وتعزيز دورها في صناعة التصميم على المستويين الإقليمي والعالمي.
ويبرز هذا الحضور من خلال معرض المصممين الإماراتيين، إلى جانب برنامج «تنوين» الذي يشارك به مركز «تشكيل»، حيث تقدم هذه المبادرات نماذج من المشاريع والأفكار التي تعكس تطور المشهد الإبداعي في الدولة.
وأشارت ميت ديغن كريستنسن إلى أن أهمية «داون تاون ديزاين» لا تقتصر على الأيام الخمسة التي يقام خلالها في نوفمبر، إذ يمثل المعرض نتيجة سنوات من العمل والتواصل مع العلامات التجارية العالمية والمصممين والجهات العاملة في القطاع.
ويلعب المعرض دورا مهما في بناء العلاقات بين المصممين والموردين والعلامات التجارية، إلى جانب تسهيل الوصول إلى منتجات التصميم العالمية، بما يتيح للمشاركين فرصا أوسع للتعاون وتبادل الخبرات وتطوير أعمالهم.
وفي الوقت نفسه، يولي المعرض اهتماما خاصا بدعم الإنتاج المحلي وتطوير المواهب الإبداعية في المنطقة، من خلال توفير بيئة تساعد المصممين على إبراز إمكاناتهم والوصول إلى أسواق جديدة.
ويتمثل الهدف في تحقيق توازن بين استقطاب العلامات التجارية العالمية وتأسيس صناعة تصميم محلية قوية، تمتلك القدرة على الابتكار والنمو والمنافسة، مع فتح آفاق أوسع أمام المشاريع الإماراتية للتوسع مستقبلا خارج الأسواق المحلية.
حرف الشين يحول الصمت إلى تجربة فنية
ضمن المشاركات الفنية في معرض «أبواب» بأسبوع دبي للتصميم، تقدم الفنانة داليا رافع عملا تركيبيا يتمحور حول حرف عربي واحد، هو حرف «الشين»، في تجربة تستكشف العلاقة بين اللغة والصوت والصمت والهوية.
ويمتد العمل الفني على مساحة تبلغ سبعة أمتار، ويعتمد بصورة أساسية على الضوء في رسم الحرف وتشكيله، ليمنحه حضورا بصريا يحمل مجموعة من المعاني والمشاعر الإنسانية.
وأوضحت رافع أن امتداد حرف الشين يفتح المجال أمام دلالات مختلفة، فهو يستحضر صوت الصمت والضجيج والاعتراض، كما يرتبط بمحاولة تهدئة النفس والقلب، ويعبر عن تلك اللحظات التي يصمت فيها الإنسان ليس لغياب ما يريد قوله، وإنما لعجز الكلمات أحيانا عن نقل ما يشعر به.
واستلهمت الفنانة فكرة العمل من الإشارات الضوئية المستخدمة في تنظيم حركة المرور، خصوصا في المدن الكبيرة، حيث استفادت من لغتها البصرية الواضحة، وأعادت تقديمها ضمن رؤية فنية خاصة تعتمد على الضوء والحرف العربي.
وتمثل أحد أبرز التحديات التي واجهتها في كيفية منح إحساس بالصوت لعنصر لا يصدر صوتا بطبيعته، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بحجم العمل وتنفيذه، ومدى قدرة الجمهور على فهم رسالته دون الحاجة إلى تفسير مباشر.
ويحمل اختيار الحرف العربي أهمية خاصة بالنسبة إلى داليا رافع، التي ترى في اللغة العربية جزءا أساسيا من هويتها وارتباطها بأرضها وثقافتها، فهي اللغة التي تعبر من خلالها عن مشاعرها، سواء في لحظات الفرح أو الحزن.
وأكدت أهمية المحافظة على حضور اللغة العربية في الأعمال الإبداعية واستخدامها كلما أتيحت الفرصة، باعتبارها عنصرا أصيلا من عناصر الهوية لا يمكن فصله عن التجربة الإنسانية للفنان.
وأعربت رافع عن سعادتها بالمشاركة للمرة الأولى في أسبوع دبي للتصميم، معتبرة وجودها في هذا الحدث العالمي فرصة مهمة لعرض تجربتها الفنية أمام جمهور متنوع من مختلف الثقافات.
ثلاث حدائق وغرافة.. عمارة تعيد الإنسان إلى الطبيعة
تتناول مسابقة «أشغال مدنية» في نسختها الحالية موضوع «مناخات المكان»، الذي يركز على كيفية شعور الإنسان بالمساحات المحيطة به حتى قبل إدراك تفاصيلها بصورة واعية، من خلال تأثير الضوء ودرجات الحرارة والأصوات والمواد وطريقة توزيع الفراغات.
وتنطلق فكرة المسابقة من أن هذه العناصر لا تحدد شكل المكان فحسب، بل تؤثر أيضا في مشاعر الإنسان وحركته وطريقة اجتماعه وتفاعله مع الآخرين.
وفاز مشروع «ثلاث حدائق وغرافة»، الذي صممه استوديو «إن إي آركيتكت»، بالمقترح المعماري المتميز في المسابقة، حيث يقدم تجربة تسعى إلى إعادة التواصل بين الإنسان والطبيعة داخل البيئة العمرانية.
وأوضحت مؤسسة الاستوديو، المهندسة المعمارية ريم نصور، أن المشروع جاء استجابة مباشرة لموضوع المسابقة، من خلال التفكير في كيفية صناعة أجواء ومساحات مختلفة اعتمادا على العناصر المناخية والطبيعية.
وأشارت إلى أن فريق العمل بدأ بدراسة تأثير الألوان والروائح والحرارة في إحساس الإنسان بالمكان، وكيف يمكن توظيف هذه العناصر لتشكيل تجارب معمارية متنوعة تمنح كل مساحة طابعا مميزا.
ويجري تنفيذ المشروع في حي دبي للتصميم، الذي تحيط به المباني والواجهات الزجاجية والمواد الصلبة، في بيئة حضرية يقضي فيها الأفراد معظم أوقاتهم داخل مساحات تعتمد على أنظمة التكييف والتحكم الاصطناعي في درجات الحرارة.
ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مساحة تعيد الإنسان إلى الطبيعة، وتتيح له التفاعل مع عناصرها بصورة مباشرة، بدلا من الاكتفاء بالأجواء المغلقة التي تفرضها المباني الحديثة.
وحرص فريق التصميم على تطوير جناح معماري يستجيب للأشجار الموجودة في محيطه، مع الاستعانة بأنواع من الأشجار المحلية في دولة الإمارات، ودراسة طرق دمجها في المشروع بصورة تنسجم مع البيئة المحيطة، دون الاعتماد على عناصر نباتية مستوردة.
كما جرى الاهتمام بحركة الشمس على مدار اليوم، منذ شروقها وحتى غروبها، والاستفادة منها في تشكيل الأجواء داخل المشروع، مع اختيار ألوان ومواد مستوحاة من عناصر العمارة التقليدية، ومنها المشربيات والكتل المستخدمة في البناء قديما، بهدف التحكم في الحرارة وتوفير الظل.
ويتكون المشروع من ثلاثة أجنحة ومساحات معمارية، إلا أن فكرته الأساسية تتركز في الفراغات الفاصلة بينها، والعلاقات التي تنشأ بين هذه المساحات والأشجار والطبيعة والإنسان.
وأكدت ريم نصور أن العمارة ارتبطت منذ آلاف السنين بحاجة الإنسان إلى المأوى والحماية من الظروف المناخية، حيث شكل البحث عن الظل والمساحات الآمنة أحد الدوافع الأساسية لتطور البناء، سواء من خلال الجدران أو الأسقف وغيرها من العناصر المعمارية.
ويعيد المشروع تقديم هذه الفكرة بأسلوب معاصر يستفيد من البيئة الطبيعية، ويمنح الزوار فرصة لاختبار علاقة مختلفة بين العمارة والمناخ.
وأشارت نصور إلى أن أبرز التحديات تمثلت في تنفيذ المشروع وتسليمه خلال فترة زمنية قصيرة، معربة عن اعتزازها بفوز التصميم وتكريمه ضمن المسابقة، وما يمثله ذلك من تقدير للفكرة والجهود المبذولة لإنجازها.
سوق أسبوع دبي للتصميم يجمع الحرف والتجارب العائلية
يستقبل سوق أسبوع دبي للتصميم زواره خلال عطلة نهاية الأسبوع يومي السابع والثامن من نوفمبر 2026، في تجربة تسوق خارجية تقام داخل حي دبي للتصميم، وتجمع بين الإبداع والحرف اليدوية والأنشطة المجتمعية.
ويمنح السوق الشركات المحلية والصناع المستقلين من دولة الإمارات والمنطقة منصة لعرض منتجاتهم وأعمالهم، مع تركيز خاص على القطع المصنوعة يدويا والمنتجات التي تعكس مهارة الحرفيين واهتمامهم بالتفاصيل.
ويمكن للزوار استكشاف مجموعة واسعة من المنتجات، تشمل الأدوات المنزلية والمجوهرات والأزياء ومنتجات نمط الحياة، إضافة إلى السلع التي تعتمد على أساليب إنتاج مستدامة، بما يتيح خيارات متنوعة تجمع بين التصميم العملي والجمال والحرفية.
ولا تقتصر فعاليات السوق على عرض المنتجات والتسوق، إذ يقدم أيضا تجارب متنوعة في الطهي وأنشطة مخصصة للأطفال وعروضا حية، ليجمع أفراد العائلة والأصدقاء في أجواء مفتوحة تحتفي بالإبداع.
ويشكل السوق مساحة للتواصل المباشر بين الجمهور وأصحاب المشاريع المحلية والمبدعين، كما يتيح للحرفيين فرصة التعريف بأعمالهم والوصول إلى شرائح جديدة من المهتمين بالمنتجات المميزة.
ومن خلال هذا التنوع، يواصل السوق تعزيز حضوره بوصفه إحدى التجارب المجتمعية في أسبوع دبي للتصميم، حيث يجتمع التسوق مع الفنون والأنشطة العائلية في بيئة نابضة بالحياة.