تقدّم الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، حواراً سياسياً وفكرياً عميقاً يفتح أبواباً واسعة لفهم السياسة الإماراتية من الداخل، لا بوصفها مجموعة مواقف عابرة، بل باعتبارها رؤية استراتيجية قائمة على المرونة، وحسن قراءة التحولات، وتقديم المصلحة الوطنية ضمن عالم سريع التغير. تنطلق الحلقة من فكرة محورية مفادها أن السياسة لا تعرف العداوات المطلقة ولا الصداقات الدائمة، وإنما تتحرك في فضاء المصالح، وموازين القوى، والقدرة على التكيف مع الوقائع دون التفريط في جوهر الدولة وأمنها واستقرارها.
في بداية الحوار، تطرح الدكتورة ابتسام الكتبي تصوراً واقعياً للسياسة، فهي ليست ميداناً للمثاليات المجردة وحدها، ولا ساحة للمناورة الخالية من القيم، بل هي فن إدارة الممكن. ومن هنا يظهر جوهر التفكير السياسي الإماراتي كما تقدمه الحلقة، حيث تقوم الدولة على بناء علاقات متعددة، وفتح مسارات للحوار، وتجنب الانغلاق الأيديولوجي، مع الاحتفاظ بقدرة واضحة على الدفاع عن المصالح العليا. هذا المنطق يفسر كثيراً من التحولات في المواقف الإقليمية والدولية، ويكشف أن المرونة ليست ضعفاً، بل إحدى أدوات القوة حين تكون مبنية على وعي وحسابات دقيقة.
وتتوقف الحلقة عند مركز الإمارات للسياسات، الذي ترأسه الكتبي، باعتباره منصة بحثية تسعى إلى فهم التحولات الكبرى في المنطقة والعالم، وتقديم قراءة معرفية تساعد على صناعة القرار. فالسياسة الحديثة لم تعد تعتمد على الحدس أو ردود الفعل، بل تحتاج إلى مراكز تفكير، ودراسات معمقة، واستشراف للسيناريوهات. وهنا تبرز أهمية المعرفة بوصفها جزءاً من قوة الدولة، لأن القرار الناجح يبدأ من فهم جيد للواقع، لا من الانفعال به.
ومن المحاور اللافتة في الحلقة صعود الإمارات كفاعل إقليمي مؤثر. لا تُعرض هذه المكانة على أنها نتيجة ظرف طارئ، بل حصيلة مشروع طويل في بناء القوة الاقتصادية والدبلوماسية والمؤسسية. فالإمارات، كما يتضح من الحوار، لم تكتف بدور المتفرج في الإقليم، بل سعت إلى بناء حضور في ملفات التجارة والطاقة والموانئ والأمن والاستثمار والعلاقات الدولية. ويبدو ملف الموانئ مثالاً مهماً على هذا التصور، إذ لا يتعلق الأمر بالبنية التحتية وحدها، بل بموقع الدولة في خريطة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وبقدرتها على تحويل الجغرافيا الاقتصادية إلى نفوذ سياسي واستراتيجي.
كما تتناول الحلقة علاقة الإمارات بالولايات المتحدة، وهي علاقة تقوم على المصالح المشتركة والثقة المتبادلة، لكنها ليست خالية من التعقيد. فالولايات المتحدة قوة كبرى تتحرك وفق مؤسسات وضغوط ولوبيات وحسابات داخلية، والتعامل معها يحتاج إلى فهم عميق لطبيعة النظام الأمريكي. ومن خلال هذا المحور، يظهر أن السياسة الإماراتية تسعى إلى تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لمسار واحد، خاصة في عالم تتغير فيه موازين القوى بعد أزمات كبرى مثل الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
وفي الشأن الخليجي، تستعيد الحلقة أهمية مجلس التعاون، وتبرز أن الخلافات بين الدول لا تلغي المصالح العميقة التي تجمعها. فالتجربة الخليجية، رغم ما شهدته من توترات، تظل محكومة بالجغرافيا والمصير المشترك والروابط الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. ومن هذا المنطلق، تبدو المصالحة والعودة إلى الحوار خياراً عقلانياً تفرضه طبيعة المنطقة وتحدياتها.
أما القضية الفلسطينية، فتحضر في الحلقة بوصفها ملفاً حساساً لا يمكن التعامل معه بالشعارات وحدها. فالحوار يفتح مجالاً للتفكير في كيفية الجمع بين الواقعية السياسية والبعد العربي والإنساني، وبين السعي إلى التأثير العملي وعدم الاكتفاء بالمواقف الخطابية. وتظهر هنا إحدى سمات الحلقة المهمة، وهي قدرتها على طرح القضايا الخلافية بلغة هادئة، لا تبحث عن الإثارة بقدر ما تبحث عن الفهم.
وتأخذ الحلقة بعداً أكثر حدة عند الحديث عن الربيع العربي وصعود الجماعات السياسية العابرة للحدود. تقدم الكتبي قراءة ترى في تلك المرحلة لحظة اضطراب كبرى كشفت هشاشة بعض الدول، ودفعت الإمارات إلى التمسك بفكرة الدولة الوطنية والاستقرار ومواجهة مشاريع الفوضى. فالخوف لم يكن من التغيير في ذاته، بل من انهيار المؤسسات، وتحويل المجتمعات إلى ساحات صراع أيديولوجي.
تبرز شخصية الدكتورة ابتسام الكتبي كامرأة عربية استطاعت أن تثبت حضورها في مجال السياسة والفكر، وأن تربط بين البحث الأكاديمي والممارسة العامة. لذلك تبدو الحلقة أكثر من مجرد نقاش سياسي، فهي قراءة في معنى الدولة، وفي فن إدارة المصالح، وفي ضرورة امتلاك العقل الهادئ وسط عالم مضطرب. إنها حلقة جادة ومشوقة، تمنح المستمع فرصة لفهم السياسة الإماراتية بمنطق أعمق من الانطباعات السريعة والأحكام الجاهزة.
اسم البودكاست: بودكاست قصص | عرب كاست
ضيفة الحلقة: د. ابتسام الكتبي
تاريخ الحلقة: August 2024
رابط الحلقة: https://www.youtube.com/watch?v=Q0aaTXQCY50