بأعمال فنية متنوعة تعكس مراحل مهمة من تطور الحركة التشكيلية في الإمارات، يقدم معرض «شهود التغيير» في متحف الاتحاد بدبي قراءة بصرية لمسيرة فنية تمتد لنحو 50 عاما، مستحضرا محطات من بدايات الفن المحلي، وصولا إلى التجارب المعاصرة التي تفاعلت مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية في الدولة.
ويستمد المعرض اسمه من سلسلة صور للفنانة الفوتوغرافية الشيخة لطيفة بنت مكتوم، التي عُرضت ضمن جناح دولة الإمارات في «بينالي البندقية» عام 2011، ليأتي العنوان معبرا عن فكرة المعرض الأساسية، وهي توثيق التغيير من خلال عيون الفنانين وأعمالهم.
معرض يوثق تطور الفن في الإمارات
ينظم المعرض من قبل هيئة الثقافة والفنون في دبي، ويضم نحو 60 عملا من مقتنيات مؤسسة بارجيل للفنون. وتجمع الأعمال بين تجارب فنانين إماراتيين معاصرين، وأعمال لفنانين من دول عربية عدة، من بينها سورية والعراق وفلسطين ومصر وتونس والجزائر والبحرين.
ومن خلال هذا التنوع، يفتح «شهود التغيير» حوارا فنيا بين أجيال ومدارس وتجارب مختلفة، حيث تظهر الأعمال كأنها شهادات على تطور المجتمع الإماراتي، وعلى علاقة الفنان بالمكان والذاكرة والهوية.
من المناظر الطبيعية إلى التجريد والحروفيات
تتنوع الأعمال المعروضة بين اللوحات التي تناولت المناظر الطبيعية في المراحل الأولى، وتجارب التجريد، والحروفيات، والتوثيق العمراني، إضافة إلى أعمال تستحضر الذاكرة الشخصية والجماعية.
ويمنح هذا التنوع الزائر فرصة لمتابعة التغير في لغة الفن الإماراتي، وكيف انتقل من تسجيل الملامح الأولى للبيئة المحلية إلى التعبير عن تحولات أوسع مرتبطة بالمدينة والإنسان والهوية الوطنية.
ويستمر المعرض في استقبال الزوار حتى 30 يونيو المقبل، من خلال أقسام عدة، منها «تصوير نهضة الدولة»، و«بحثا عن التجريد»، و«التحولات العمرانية بعدسة الفن»، و«مقتنيات شخصية وذاكرة مشتركة»، و«الرسم برؤى معاصرة».
جلسة حوارية تستعيد البدايات
وعلى هامش المعرض، نظم متحف الاتحاد جلسة حوارية تناولت تطور المشهد الفني الإماراتي من خلال تجارب عدد من الفنانين، وهم نجاة مكي، ونجوم الغانم، وخليل عبدالواحد، وإسماعيل الرفاعي.
وتطرقت الجلسة إلى البدايات الأولى، وما رافقها من تحديات، إلى جانب التحولات التي شهدها الفن في الإمارات مع توسع المؤسسات الثقافية والمبادرات الفنية والمعارض والبرامج الداعمة للفنانين.
نجاة مكي: المعرض الأول محطة فاصلة
تحدثت الدكتورة نجاة مكي عن أهمية المعرض الأول في حياة الفنان، معتبرة أنه يمثل محطة فاصلة تحمل الفنان مسؤولية جديدة وتفتح أمامه طريقا مختلفا. كما أشارت إلى أن انتقالها لاحقا نحو التعبير عن المجتمع كان من المحطات المهمة في تجربتها.
وأكدت أن البيئة المحلية مازالت مصدرا ثريا للإلهام، لافتة إلى أن ما تحقق في الإمارات على مستوى دعم الفنون يدعو إلى الفخر، خصوصا مع النمو السريع للحركة التشكيلية وتعدد أشكال الإبداع في الدولة.
ورأت مكي أن معرض «شهود التغيير» يقدم صورة واضحة عن فترة مهمة من النجاحات التي حققها الفن الإماراتي، كما أن تنظيم جلسات حوارية مع الفنانين يمنح الجمهور فرصة لفهم أعمق للتجارب والتحديات.
نجوم الغانم: الكلمة قد تدعم وقد تؤلم
من جانبها، عادت الفنانة نجوم الغانم إلى مراحلها الأولى، مشيرة إلى أن البدايات لم تكن سهلة، خصوصا في ما يتعلق بالحصول على الاعتراف بالموهبة. ووصفت الكلمة بأنها فعل مؤثر، قد يمنح الدعم وقد يترك أثرا موجعا.
وأوضحت أنها احتاجت في بداياتها إلى التشجيع أكثر من حاجتها إلى مواجهة تحديات مبكرة، معتبرة أن الجهد الفردي الذي اعتمد عليه الفنانون في مراحل سابقة كان يمكن أن يدفع البعض إلى الابتعاد عن الفن.
كما أشادت الغانم بدور الأساتذة الذين دعموها وشجعوها على الاستمرار، مشيرة إلى أن دراستها الإخراجية أعادتها إلى الفن التشكيلي، بعدما بدأت علاقتها بالفن من خلال الرسم في المنزل، ثم تطورت التجربة لتصبح أعمالها حاضرة في المعارض.
وأكدت أن المشهد الفني الإماراتي يشهد اليوم نقلة واضحة، سواء في علاقة الجمهور بالفن أو في اتساع فهمه لأشكال إبداعية تتجاوز اللوحة والنحت، مشيدة بدور المؤسسات الثقافية وبرامج الإقامات الفنية في تعزيز حضور الفن الإماراتي عالميا.
خليل عبدالواحد: المرسم الحر وبيت الشامسي محطات مؤثرة
أما الفنان خليل عبدالواحد، فتحدث عن بداياته مع المرسم الحر، وعمله مع الفنان محمد كاظم، ثم انتقاله إلى بيت الشامسي واستوديوهات الفنانين، وصولا إلى مشاركته في مشروع «الوادي» الذي نُفذ في هولندا.
وأشار إلى أن مشروع «الوادي» كان من التجارب الفارقة في مسيرته، فنيا وشخصيا، موضحا أن تأثره بعدد من التجارب المحلية ساعده على تطوير رؤيته، خصوصا تجربة محمد كاظم التي وصفها بأنها من أبرز التجارب التي أثرت فيه.
ورأى عبدالواحد أن تطور المشهد الفني في الإمارات يظهر بوضوح من خلال كثافة الفعاليات والمهرجانات والمعارض، إلى جانب تحول الدولة إلى بيئة جاذبة للفنانين من مختلف أنحاء العالم.
إسماعيل الرفاعي: بيت الشامسي ذاكرة ومكان
بدوره، استعاد الفنان السوري إسماعيل الرفاعي رحلته من سورية إلى دبي، وتحديدا إلى بيت الشامسي، الذي وصفه بأنه كان مشغلا أساسيا للفنانين ومنصة تجمع الرسامين وتحتضن العروض والفعاليات.
وتحدث الرفاعي عن عمله المرتبط بشجرة بيت الشامسي، موضحا أن هذه الشجرة، رغم كونها واحدة، ظهرت في أعماله بأشكال وأحجام متعددة، وتحولت إلى موضوع فني حاضر في أكثر من مؤسسة ومتحف.
وأشار إلى أن فهم الفنان للمكان يتشكل غالبا عبر الرسم، وقد يكون أحيانا مرتبطا بالتخيل بقدر ارتباطه بالواقع. كما لفت إلى أن مشروعه الأخير «الطريق» يعيد قراءة الأمكنة من زاوية داخلية، حيث تتحول الطرق إلى رموز ومعان تتجاوز شكلها المباشر.