الخميس, 08 أكتوبر, 2026


الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.. رؤية صنعت دبي وفتحت أبواب المستقبل
07 أكتوبر 2026
الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.. رؤية صنعت دبي وفتحت أبواب المستقبل

في السابع من أكتوبر 1990، انتقل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، إلى رحمة الله، بعد مسيرة حافلة بالإنجاز والعمل من أجل دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة.

نشأ الشيخ راشد في منطقة الشندغة بدبي في كنف والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، المعروف بالحكمة ورجاحة العقل، ووالدته الشيخة حصة بنت المر بن حريز الفلاسي، التي عرفت بين أهل دبي بـ”أم دبي”، واشتهرت بقوة الشخصية والكرم وحب الخير ومساعدة المحتاجين.

ومنذ شبابه ارتبط الشيخ راشد بمجلس والده، وتعلم من خلاله شؤون الحكم وإدارة المنطقة وتحمل المسؤولية. وفي عام 1939 عين وليا للعهد، وساند والده في تسيير شؤون دبي، قبل أن يتولى حكم الإمارة عام 1958، لتبدأ مرحلة امتدت 32 عاما شهدت خلالها دبي تطورا سريعا في مختلف المجالات.

لم يكن الشيخ راشد ينظر إلى دبي كما كانت فقط، بل إلى ما يمكن أن تصبح عليه. ومن هنا جاءت مشروعات ومبادرات وضعت أسس مدينة أكثر قدرة على التجارة والحركة والاتصال بالعالم.

رؤية لم تحبس دبي داخل حدود حاضرها

عمل الشيخ راشد منذ توليه الحكم على تعزيز مكانة دبي التجارية، ودعم التجار وتشجيع الاستثمار، كما اهتم بإنشاء الدوائر التي تقدم خدماتها للسكان وتسهم في تطوير الإمارة، ومنها البلدية والأراضي والشرطة والجمارك والمحاكم والكهرباء والمياه.

وكانت رؤيته تمتد إلى آفاق بعيدة، فالمشروعات التي شهدتها دبي خلال عهده لم تكن منفصلة عن بعضها، بل شكلت في مجموعها قاعدة لنمو المدينة وتوسعها.

فالخور والمطار والموانئ والطرق والخدمات كانت جميعها أدوات لفتح مساحة أكبر أمام دبي وحركتها الاقتصادية والعمرانية.

خور دبي.. عندما تغيرت حدود الممكن

كان خور دبي أحد أهم شرايين الحركة التجارية، لكن ضحالة مياهه كانت تصعب دخول السفن التجارية الكبيرة.

لذلك عمل الشيخ راشد على توسيع الخور وتعميقه، ليصبح أكثر قدرة على استقبال السفن ودعم النشاط التجاري.

وبعد إنجاز المشروع، تعززت مكانة خور دبي بوصفه منفذا تجاريا واقتصاديا مهما، في خطوة عكست مبكرا اهتمام الشيخ راشد بتطوير البنية التي تقوم عليها حركة التجارة.

لم يكن تطوير الخور مجرد مشروع هندسي، بل كان جزءا من رؤية تهدف إلى توسيع قدرة دبي على استقبال المزيد من النشاط والحركة.

مطار دبي.. مشروع صغير يحمل حلما كبيرا

وامتدت رؤية الاتصال بالعالم إلى قطاع الطيران.

ففي عام 1959 بدأ العمل على إنشاء مطار دبي، وافتتح في سبتمبر 1960 بمدرج من الرمال المضغوطة.

كانت البداية محدودة مقارنة بما وصلت إليه دبي لاحقا، لكنها شكلت خطوة أساسية في تعزيز اتصال الإمارة بالعالم، وفتحت أمامها مجالا أوسع لحركة الناس والتجارة.

ومع مرور السنوات، توسعت قدرات دبي في قطاع الطيران، بينما بقيت تلك البداية شاهدا على مرحلة مبكرة من بناء البنية الأساسية للمدينة.

من ميناء راشد إلى جبل علي.. بناء المساحة قبل الحاجة إليها

واصل الشيخ راشد تعزيز مكانة دبي التجارية من خلال تطوير الموانئ.

وفي أكتوبر 1972 افتتح ميناء راشد البحري، الذي أصبح دعامة اقتصادية مهمة لدبي والإمارات، في وقت كان فيه الشيخ راشد يعمل على تشجيع التجارة وجذب الخطوط العالمية وتعزيز موقع دبي بين الشرق والغرب.

ثم امتدت هذه الرؤية إلى مشروعات موانئ أكبر، وفي مقدمتها ميناء جبل علي، لتتوسع قدرة دبي على التعامل مع حركة التجارة العالمية.

وكانت الموانئ امتدادا لفكرة واضحة: كلما اتسعت قدرة دبي على استقبال التجارة، اتسعت أمامها فرص النمو.

قبل أن تضيء دبي عالميا.. أضاءت بيوت الناس

لم تقتصر مسيرة البناء على التجارة والموانئ والطيران، بل شملت حياة السكان والخدمات التي يحتاجون إليها.

اهتم الشيخ راشد بإنشاء وتطوير الدوائر الخدمية، ومن بينها الكهرباء والمياه، إلى جانب البلدية والأراضي والشرطة والجمارك والمحاكم وغيرها.

وفي عام 1959 تأسست الجهات المعنية بالكهرباء والمياه، لتبدأ مرحلة جديدة من تطوير الخدمات بالتوازي مع نمو المدينة.

وهنا يظهر الجانب الإنساني من التنمية بوضوح؛ فبناء المدينة لا يبدأ بالمشروعات الكبرى وحدها، بل من الخدمات التي تمس حياة الناس اليومية وتواكب توسع المجتمع.

الجسور والطرق.. اختصار للمسافة والزمن

وشهدت دبي خلال تلك المرحلة توسعا في إنشاء الطرق والجسور التي أسهمت في تسهيل حركة السكان والتجارة.

وكان جسر آل مكتوم، أول جسر يعبر خور دبي، من المشروعات التي غيرت طريقة الاتصال بين جانبي المدينة وسهلت حركة الانتقال.

ومع نمو دبي، استمرت شبكة الطرق والمعابر في التوسع، لتصبح البنية التحتية جزءا أساسيا من حركة المدينة وتطورها.

فالجسر لا يربط مكانين فقط، والطريق لا يختصر المسافة وحدها، بل يفتحان المجال أمام حركة أسرع واتصال أكبر وفرص أوسع.

الشيخ راشد بن سعيد.. رؤية كانت أكبر من اللحظة

عند جمع المشروعات التي شهدتها دبي في عهد الشيخ راشد، تظهر صورة أوسع من كل مشروع منفرد.

الخور، والمطار، والموانئ، والطرق، والكهرباء، والمياه، والدوائر الخدمية، كلها شكلت أجزاء من مرحلة تأسيسية وضعت قاعدة للتوسع الذي عرفته دبي لاحقا.

كان الشيخ راشد يعمل على زيادة قدرة المدينة على الحركة والتجارة واستقبال الناس والأعمال.

وهنا يتضح أن الرؤية لم تكن مرتبطة بمشروع بعينه، بل ببناء مدينة تمتلك مقومات الاستمرار والتوسع.

راشد والاتحاد.. حين اتسعت رحلة البناء إلى وطن

ولا تنفصل سيرة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عن مسيرة تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة.

فقد التقت رؤيته مع رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حول ضرورة قيام اتحاد يجمع الإمارات.

وفي فبراير 1968، أسفرت جهودهما عن توقيع اتفاقية السميح، لتشكل خطوة مهمة على طريق الاتحاد، قبل أن تتواصل الجهود مع إخوانهما الحكام وتتوج بإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971.

وهكذا كان الشيخ راشد حاضرا في مرحلة بناء دبي الحديثة، وفي الوقت نفسه في واحدة من أهم مراحل تأسيس الدولة.

دبي التي لا تتوقف عند إنجاز

ترك الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم إرثا يرتبط بمرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ دبي.

فالمشروعات التي بدأت أو توسعت في عهده أسهمت في تطوير التجارة والبنية التحتية والخدمات، وفتحت المجال أمام مراحل جديدة من النمو.

ولذلك فإن استحضار سيرته لا يعني العودة إلى الماضي فقط، بل قراءة البدايات التي قامت عليها كثير من ملامح دبي الحديثة.

فكل مشروع كان يمثل خطوة إلى الأمام، وكل خطوة كانت تفتح مجالا لما بعدها.