تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها وجهة إقليمية وعالمية رائدة في الرعاية الصحية والسياحة العلاجية، مستفيدة من بنيتها التحتية الطبية المتطورة واستثماراتها المتنامية في التخصصات الدقيقة والتقنيات الحديثة.
وأصبحت الدولة تستقطب مرضى من مختلف أنحاء العالم لإجراء جراحات معقدة والحصول على علاجات متقدمة للأورام والأمراض النادرة والوراثية، في تحول يعكس تطور قدرات القطاع الصحي واتساع خدماته التخصصية.
ويعزز هذا التقدم تكامل الخدمات الصحية والسياحية، وتوافر الخبرات الطبية العالمية، وسهولة السفر والوصول إلى الدولة، فيما تتجه المنافسة بصورة متزايدة نحو جودة النتائج الطبية وتكامل رحلة العلاج والتعافي.
أكثر من 13.7 ألف منشأة صحية تدعم نمو القطاع الطبي
تعكس المؤشرات الصحية في الإمارات حجم التطور الذي حققته الدولة في بناء منظومة طبية متكاملة قادرة على تقديم خدمات علاجية متقدمة لمختلف الحالات.
ووفقا لبيانات الطاقة الاستيعابية للرعاية الصحية خلال الربع الثاني من عام 2026، بلغ عدد المنشآت الصحية في الدولة 13 ألفا و772 منشأة، تضم 173 مستشفى و6854 عيادة ومركزا صحيا، إلى جانب 18 ألفا و500 سرير، و99 ألفا و520 مهنيا صحيا مرخصا.
وتأتي هذه الإمكانات بالتزامن مع نمو الاستثمارات في القطاع، إذ تتراوح القيمة التقديرية لسوق الرعاية الصحية في الإمارات خلال عام 2026 بين 30 و33 مليار دولار، وتشمل مختلف الأنشطة الصحية وليس السياحة العلاجية وحدها.
ويعزز هذا التوسع قدرة الدولة على استقبال المرضى الدوليين وتقديم خدمات تخصصية عالية الجودة، مدعومة بمستشفيات حديثة وكوادر مؤهلة وتقنيات طبية متطورة، مع استمرار الاهتمام برفع كفاءة الخدمات وتطوير الشراكات الصحية وتوفير تجربة علاجية متكاملة.
دبي تعزز جاذبيتها كوجهة عالمية للسياحة العلاجية
تواصل دبي توسيع قدراتها الطبية وتعزيز مكانتها بين أبرز الوجهات العالمية للعلاج، حيث ارتفع عدد المنشآت الصحية المرخصة في الإمارة إلى 5931 منشأة خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 5541 منشأة خلال الفترة نفسها من عام 2025، بنمو بلغ 7%، فيما وصل عدد المهنيين الصحيين المرخصين إلى 70 ألفا و566 مهنيا، بزيادة 6.5%.
وتستفيد الإمارة من مكانتها السياحية وشبكات الطيران العالمية، بعدما استقبلت نحو 19.59 مليون زائر دولي خلال عام 2025، بارتفاع 5%، وهو ما يدعم تكامل الخدمات السياحية والصحية، دون أن يمثل الرقم عدد القادمين للعلاج تحديدا.
وفي موازاة ذلك، تتجه الاستثمارات نحو الطب الوقائي والتشخيص المبكر والديمومة الصحية.
وقال الدكتور جعفر خان، المؤسس والرئيس التنفيذي لعيادتي «إيون» و«إستيتكس إنترناشيونال»: إن دبي تدخل مرحلة جديدة من الاستثمار الصحي، ترتكز على تطوير مجالات الديمومة الصحية والطب الوقائي والتشخيص المبكر، بما يفتح آفاقاً أوسع لاستقطاب الاستثمارات والمرضى الباحثين عن خدمات متخصصة.
وتستهدف استراتيجية دبي للديمومة الصحية المعتمدة عام 2026 تحقيق نمو سنوي بنحو 31% ومساهمة اقتصادية تتجاوز 35 مليار درهم خلال العقد المقبل، وهي مستهدفات مستقبلية تعكس الفرص الواعدة للقطاع، مع أهمية الاعتماد على الأدلة العلمية وقياس النتائج وتطوير الكفاءات الطبية.
أبوظبي تتوسع في الطب الدقيق والعلاج الجيني للأمراض المعقدة
تعزز أبوظبي حضورها في مجالات الطب الدقيق وعلاج الأورام والأمراض النادرة والوراثية، من خلال استثمارات متقدمة في العلاجات الجينية والبحوث السريرية والتطبيقات الطبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وشهد عام 2025 الإعلان عن مشروع لإنشاء أول منشأة للعلاج بالأيونات الثقيلة في منطقة الشرق الأوسط، ضمن حرم مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي، بهدف توفير تقنية متطورة تستهدف الخلايا السرطانية بدقة عالية.
ويواكب هذا التقدم تنامي قدرة الإمارات على استقطاب الحالات المعقدة التي تحتاج إلى رعاية تخصصية لا تتوافر بسهولة في بعض الدول.
وأكدت الدكتورة شانيلا لايجو، الرئيسة التنفيذية لمجموعة مستشفيات ميدكير، أن دبي تشهد تزايداً في استقطاب المرضى المصابين بأمراض نادرة ومعقدة، إلى جانب عائلات تسافر خصيصاً للحصول على علاجات متخصصة قد لا تتوافر في بلدانها.
ويأتي هؤلاء المرضى بصورة رئيسية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، مع توجه بعض الحالات التي كانت تختار الولايات المتحدة سابقا إلى دبي للاستفادة من الخبرات والتقنيات المتقدمة.
وتبدأ رحلة العلاج في العديد من الحالات قبل وصول المريض، عبر الاستشارات عن بعد ومراجعة الفحوص والتقارير الطبية، بينما قد تتطلب بعض العلاجات المعقدة إقامة تمتد من شهر إلى شهرين بحسب الحالة والخطة العلاجية.
الجراحة الروبوتية والتدخلات الدقيقة تعززان تطور الخدمات العلاجية
أصبحت الجراحات المتقدمة من أبرز عوامل جذب المرضى الدوليين إلى الإمارات، بعدما توسعت الخدمات العلاجية لتشمل جراحات القلب والأعصاب والأورام والعظام والجهاز الهضمي والسمنة، إلى جانب العمليات الدقيقة والتدخلات محدودة التوغل.
وأكد الدكتور مانيش مادناني، أخصائي جراحة الجهاز الهضمي والمناظير ورئيس قسم الجراحة في مستشفى إن إم سي التخصصي بالنهدة في دبي، أن المرضى باتوا يسافرون آلاف الكيلومترات إلى الإمارة لإجراء جراحات معقدة، بعدما ارتبطت السياحة العلاجية بصورة أكبر بالإجراءات التجميلية والعمليات الاعتيادية.
وتشمل العمليات التي تستقطب المرضى جراحات الفتق المعقدة والمرارة والقولون والمستقيم وسرطانات الجهاز الهضمي، إضافة إلى جراحات المراجعة للحالات التي لم تحقق نتائجها المطلوبة سابقا.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور شريف عوض، استشاري جراحة الجهاز الهضمي العلوي وجراحات السمنة والمناظير ورئيس قسم الجراحة في مستشفى الإمارات التخصصي، أن اختيار المرضى للوجهة العلاجية لم يعد يرتبط باسم الجراح وحده، بل بتوافر منظومة متكاملة تضم المستشفى المجهز والفريق الطبي والتقنيات المناسبة ومراحل العلاج والتعافي.
ويبرز التوسع في الجراحة الروبوتية ضمن هذا التطور، إذ أعلنت «دبي الصحية» في أكتوبر 2025 تنفيذ أكثر من 145 عملية جراحية روبوتية في مستشفى دبي منذ إطلاق البرنامج، شملت المسالك البولية والجراحة العامة وأمراض النساء، بما يعكس تقدم الإمكانات الجراحية وتنوع التخصصات المتاحة.
علاجات الأمراض النادرة تمنح الإمارات ميزة تنافسية جديدة
يمثل التوسع في علاج الأمراض النادرة والوراثية وإعادة التأهيل الطبي مرحلة مهمة في تطور السياحة العلاجية بالإمارات، حيث لم تعد الخدمات تقتصر على التشخيص وإجراء العمليات، بل تشمل الرعاية المستمرة والتعافي واستعادة القدرات الوظيفية.
وأكد الدكتور لالو تشاكو، المدير الطبي لمجموعة مستشفيات ومراكز ميدكير الطبية، أن دبي تشهد تنوعاً متزايداً في جنسيات المرضى الدوليين، إلى جانب ارتفاع الاهتمام بالتخصصات الدقيقة والحالات المعقدة، خصوصاً الأورام وأمراض القلب وجراحة الأعصاب والعظام والعمود الفقري والأمراض النادرة والوراثية.
وتفتح العلاجات الجينية لبعض الأمراض، ومنها ضمور العضلات الدوشيني، خيارات طبية متقدمة أمام المرضى المؤهلين، مع ضرورة التقييم الدقيق والمتابعة بواسطة فرق متعددة التخصصات.
وفي جانب مكمل لهذه الرعاية، تبرز أهمية إعادة التأهيل بعد الجراحات المعقدة والسكتات الدماغية والإصابات العصبية، إذ تساعد البرامج التأهيلية المناسبة على تقليل المضاعفات وتحسين القدرة على التعافي.
وشدد الدكتور أحمد الخيّر، الرئيس التنفيذي ورئيس قسم طب إعادة التأهيل لمجموعة كامبريدج للصحة في الإمارات، على أهمية التكامل بين المستشفيات ومراكز إعادة التأهيل، وإعداد خطط تراعي الاحتياجات الجسدية والنفسية للمريض، بمشاركة فرق متعددة التخصصات وإشراك الأسرة في تحديد الأهداف وضمان استمرارية المتابعة، سواء بصورة مباشرة أم عن بُعد.
وتعزز هذه الرعاية المتكاملة تنافسية الإمارات في استقطاب المرضى الدوليين، مع التركيز على جودة العلاج وسلامة المرضى واستمرارية المتابعة وتوفير خدمات صحية متقدمة تلبي احتياجات الحالات المعقدة والنادرة.