في خطوة تعكس توجهاً أكثر صرامة في تنظيم العلاقة بين المستهلك ومقدمي الخدمات، أطلقت دائرة الطاقة في أبوظبي سياسة جديدة لحماية مستهلكي قطاع الطاقة، تستهدف ترسيخ حقوق المتعاملين ورفع جودة الخدمات الأساسية في الإمارة. وتأتي هذه الخطوة في سياق تنظيم أوسع لقطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي وتبريد المناطق، بما يضمن استمرارية الإمدادات وكفاءتها وتقديمها بتكلفة معقولة لمختلف فئات المجتمع.
ولا تقتصر السياسة على الجوانب العامة، بل تضع إطاراً عملياً يحدد بوضوح مسؤوليات الشركات المرخصة، وآليات التعامل مع الشكاوى، وضوابط فصل الخدمة، وحقوق المتعاملين في ما يتعلق بالفواتير والبيانات الشخصية، فضلاً عن التسهيلات المخصصة للحالات الاجتماعية والإنسانية الخاصة.
إطار تنظيمي أوسع للعلاقة بين المستهلك والشركات
بحسب ما أعلنته دائرة الطاقة، فإن السياسة الجديدة صُممت لتأسيس مرجعية تنظيمية موحدة تحمي مصالح المستهلكين، وتلزم الشركات العاملة في القطاع بمعايير أكثر وضوحاً في تقديم الخدمات. وتشمل هذه الخدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي وتبريد المناطق، مع التركيز على ضمان جودة الخدمة وسلامة الإمدادات واستمراريتها.
كما تتضمن السياسة إلزام الشركات المرخصة بتقديم اتفاقيات خدمة واضحة للمتعاملين عند فتح الحسابات، على أن تتضمن الشروط والأحكام الأساسية وحقوق الطرفين وأي قيود محتملة على استخدام الخدمة. ويمثل ذلك خطوة مهمة نحو تقليص اللبس في العلاقة التعاقدية، وتعزيز الشفافية منذ بداية التعامل بين المستهلك والجهة المزودة للخدمة.
وأكد وكيل دائرة الطاقة في أبوظبي، المهندس أحمد محمد الرميثي، أن المستهلك يأتي في صدارة أولويات الدائرة، مشيراً إلى أن السياسة الجديدة تستند إلى رؤية تستهدف ضمان تقديم خدمات عالية الجودة بكفاءة وأسعار معقولة، إلى جانب تطوير المنظومة التنظيمية بما يلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية.
ضوابط للفواتير والفصل ومعايير الخدمة
من أبرز ما تعالجه السياسة الجديدة تنظيم الفاتورة الشهرية، إذ أوجبت على شركات التوزيع إصدار فواتير منتظمة تستند إلى قراءات فعلية لاستهلاك المتعامل كلما كان ذلك ممكناً. وفي الحالات التي يتعذر فيها الحصول على القراءة الفعلية لأسباب قهرية، أجازت السياسة إصدار فواتير تقديرية، بما يضمن استمرار العملية التشغيلية ضمن ضوابط محددة.
وتناولت السياسة كذلك ما يُعرف بـ«معايير الخدمة المضمونة»، حيث ألزمت شركات القطاع بتقديم مستوى مرتفع من الخدمة للمتعاملين، مع تعويضهم عند الإخلال بهذه المعايير. ويعكس هذا التوجه انتقال التنظيم من مجرد تحديد الالتزامات إلى ربط جودة الخدمة بمسؤولية مباشرة تجاه المستهلك.
وفي ما يتعلق بفصل الخدمة، وضعت السياسة قيوداً واضحة، خصوصاً للحسابات السكنية ذات الوضع الحرج، إذ يتعين على شركات التوزيع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لضمان استمرار الخدمة للمتعاملين الذين قد يشكل فصلها عنهم خطراً على صحتهم أو سلامتهم، أو على صحة وسلامة من يقيمون معهم، مع توفير بدائل عند الحاجة.
كما نظمت السياسة إجراءات تقديم الشكاوى، فنصت على أن تكون شركة التوزيع هي نقطة الاتصال الأولى للمتعامل، على أن يُمنح الوقت اللازم لمعالجة الشكوى وفق مؤشرات الأداء المعتمدة، قبل تصعيدها إلى دائرة الطاقة إذا لم يكن الحل مرضياً أو لم يتم الرد خلال المدة المحددة.
تسهيلات للمتعثرين وأولوية لأصحاب الهمم
أولت السياسة اهتماماً خاصاً للمتعثرين في السداد، إذ ألزمت شركات القطاع بإتاحة تقسيط المبالغ المستحقة بعد دراسة الوضع المالي للمتعامل ووضع خطة سداد مناسبة، شريطة التزامه بسداد الالتزامات الجارية والمتراكمة وفق الآلية المعتمدة. ويعكس هذا البند توجهاً يوازن بين استدامة الخدمة ومراعاة الظروف المالية لبعض المشتركين.
وعند إنهاء الخدمة أو إغلاق الحساب، أوجبت السياسة على الشركة التحقق من عدم وجود مستحقات مالية، وإصدار شهادة براءة ذمة، إلى جانب إخطار المتعامل خطياً قبل إتمام الفصل وإغلاق الحساب. ويهدف ذلك إلى ضمان وضوح الإجراءات وعدم ترك أي التزامات أو تبعات مالية غير محسومة.
ومنحت السياسة أولوية واضحة لأصحاب الهمم وفئات الرعاية المنزلية، إذ ألزمت الشركات بتطوير خدماتها واستراتيجياتها بما يراعي احتياجاتهم، ويضمن سهولة وصولهم إلى الخدمة، مع تسريع إنجاز معاملاتهم وتوفير موظفين مؤهلين لخدمتهم، بل وإرسال مندوبين عند الحاجة لتلبية متطلباتهم. وبهذا، تبدو السياسة أقرب إلى وثيقة تنظيمية ذات بعد خدمي وإنساني في آن واحد، تسعى إلى ضبط السوق من جهة، وتعزيز العدالة في الحصول على الخدمات من جهة أخرى.