ليست السياسات الاقتصادية الرشيدة مجرد عمليات حسابية تُقاس بعدد الوظائف التي أُنشئت أو بحجم الإنفاق الذي ضُخّ، بل هي قبل ذلك هندسة دقيقة للعلاقة بين الإنسان والسوق والدولة. فالسوق وحده لا يوزّع الفرص بعدالة، والدولة وحدها لا تستطيع أن تُنتج الكفاءة من فراغ، أما الإدارة العامة الناجحة فهي التي تصوغ الحوافز بحيث يصبح الخيار الاقتصادي السليم منسجماً مع المصلحة الوطنية والاجتماعية في آن واحد. ومن هذه الزاوية يمكن فهم برنامج نافس بوصفه أكثر من مبادرة توظيف، فهو محاولة لإعادة ترتيب موقع المواطن الإماراتي داخل الاقتصاد الخاص، لا باعتباره طرفاً هامشياً يستجلب الدعم، بل باعتباره أصلاً بشرياً ينبغي أن يدخل في صميم الإنتاجية والتنافسية والاستدامة. ولعل قرار تمديد البرنامج حتى عام 2040، بعد أن أسهم في توظيف أكثر من 176 ألف مواطن، منهم 152 ألف مستفيد يعملون في 32 ألف منشأة حتى نهاية مارس 2026، يكشف أن الدولة لم تعد تنظر إلى التوطين كحملة قصيرة الأجل، بل كمسار بنيوي طويل المدى لإعادة تشكيل سوق العمل نفسه.
من مشروع مرحلي إلى منظومة مؤسسية
عندما أُطلق نافس في سبتمبر 2021 ضمن الحزمة الثانية من مشاريع الخمسين، قُدِّم بصفته برنامجاً اتحادياً متكاملاً يضم 13 مشروعاً، ورُصد له 24 مليار درهم بهدف رفع الكفاءة التنافسية للكوادر المواطنة ودعم انخراطها في القطاع الخاص. وفي صيغته التأسيسية الأولى، استهدف البرنامج استيعاب 75 ألف مواطن خلال خمس سنوات، مع بناء حزمة سياسات لا تقتصر على التوظيف المباشر، بل تشمل دعم الرواتب، والمساهمة في اشتراكات التقاعد، وعلاوات الأبناء، وبرامج التدريب والتأهيل المهني. هذا التصميم مهم إدارياً، لأنه يدل على أن المعضلة لم تكن في وجود شواغر وحسب، بل في كلفة الانتقال إلى القطاع الخاص، وفي الفروق المؤسسية بينه وبين القطاع الحكومي من حيث الأمان الوظيفي والدخل والتوقعات الاجتماعية. ومن هنا جاء نافس كمظلة تعالج اختلالات الحافز لا كصندوق إعانة مؤقت.
ثم تطورت المنظومة سريعاً. ففي نوفمبر 2022 أُعلنت زيادة دعم رواتب المواطنين في القطاعين الخاص والمصرفي، وتوسيع نطاق المستفيدين ليشمل العاملين قبل إطلاق البرنامج وبعده، مع رفع حدود الدعم المالي وتوسيع القطاعات والتخصصات المشمولة. وقد أشارت وكالة أنباء الإمارات آنذاك إلى أن هذه التحديثات من شأنها بناء شراكات ودعم أكثر من 170 ألف مواطن منتفع خلال الأعوام الخمسة التالية. هذا التفصيل يفسّر كثيراً من الالتباس الذي قد يطرأ عند مقارنة الأهداف المعلنة عبر الزمن، فالمشروع بدأ بمستهدف تأسيسي يبلغ 75 ألف فرصة، ثم اتسعت سياساته لاحقاً لتغطي قاعدة أوسع من المواطنين العاملين والمستفيدين، وهو ما يعني أن نافس انتقل من منطق البرنامج المحدود إلى منطق المنصة الوطنية الشاملة لإدارة التوطين في القطاع الخاص.
الأثر الحقيقي… ما الذي تغيّر في بنية السوق؟
إذا نُظر إلى الأرقام المجردة فقد يبدو الأمر إنجازاً كمياً فحسب، غير أن القراءة الأعمق تكشف تحولاً فعلياً في بنية السوق. فبحسب استعراض مجلس الوزراء في يناير 2026، ارتفع إجمالي عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص إلى أكثر من 175 ألفاً بنهاية 2025، مقارنة بنحو 35 ألفاً قبل إطلاق نافس، أي بزيادة بلغت 389%. وهذه الزيادة لا تعني فقط أن فرص العمل اتسعت، بل تعني أيضاً أن القطاع الخاص أصبح أكثر استعداداً لاستيعاب الكفاءات الوطنية، وأن المواطن نفسه صار أكثر ميلاً إلى النظر إلى هذا القطاع باعتباره مساراً مهنياً مستقراً لا خياراً مؤقتاً. وعندما نضيف إلى ذلك أن المستفيدين النشطين حتى مارس 2026 توزعوا على 32 ألف منشأة، يتضح أن التغيير لم يعد مقتصراً على عدد محدود من الشركات الكبرى، بل بدأ يتسرب إلى النسيج الأوسع للأعمال والأنشطة الاقتصادية.
ولم يتوقف أثر البرنامج عند بوابة التوظيف، بل امتد إلى شروط الاستمرار والاستقرار داخل السوق. فقد شكّلت النساء 74% من إجمالي المستفيدين، كما استفاد أكثر من 38 ألفاً من الأبناء من برنامج علاوة الأبناء. وعلى مستوى التأهيل، استفاد نحو 3500 مواطن من برنامج تطوير كوادر القطاع الصحي، فيما بلغ عدد المستفيدين من برامج “كفاءات” و”خبرة” و”التدريب بهدف التوظيف” نحو 7700 مواطن. وهذه الأرقام تكشف أن الدولة لا تعالج فجوة البطالة وحدها، بل تعالج أيضاً فجوة المخاطرة الاجتماعية المرتبطة بالعمل في القطاع الخاص، من الأسرة إلى المهارة. فالأسرة حين تطمئن إلى أن الانتقال إلى القطاع الخاص لا يعني التفريط في عناصر الاستقرار، يصبح القرار الاقتصادي أكثر عقلانية، والموظف حين يجد مساراً تدريبياً ومهنياً لا مجرد راتب مدعوم، تتحول الوظيفة من حالة انتقالية إلى مشروع مهني قابل للنمو والتراكم.
ومن هنا يمكن فهم التصور الأوسع الذي عبّر عنه معالي محمد عبدالله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء، وعضو مجلس إدارة ورئيس اللجنة التنفيذية لمجلس تنافسية الكوادر الإماراتية، عندما أكد في سبتمبر 2024 أن نافس أعدّ جيلاً من الكوادر والقيادات الوطنية القادرة على مواكبة متطلبات المرحلة المستقبلية من خلال المساهمة في القطاع الخاص، ووصف البرنامج بأنه تجسيد لتوجيهات قيادتنا. فهذه الرؤية تنسجم مع ما تكشفه الأرقام نفسها، إذ لم يعد التوطين في هذا السياق مجرد سدّ للشواغر أو رفعٍ لعدد الملتحقين بسوق العمل، بل أصبح جزءاً من عملية أوسع لبناء القدرة المؤسسية داخل الاقتصاد الوطني. وحين يُفهم البرنامج بهذه الطريقة، يرتفع سقف التقييم من مجرد الكم إلى النوع، ومن التوظيف إلى صناعة الكفاءة والقيادة والاستدامة المهنية.

لماذا يمثّل التمديد حتى 2040 تحوّلاً نوعياً؟
القرار الأهم في اللحظة الراهنة ليس الرقم وحده، بل الأفق الزمني. فالأسواق لا تغيّر سلوكها بقرارات قصيرة النفس، والشركات لا تعيد تصميم سياساتها التوظيفية على أساس مبادرات قابلة للانقطاع، والمواطن لا يغامر ببناء مسار مهني طويل داخل القطاع الخاص إن لم يثق بأن قواعد اللعبة مستقرة. لذلك فإن تمديد نافس حتى 2040 هو، في جوهره، إعلان استقرار مؤسسي. إنه يقول للشركات إن الدولة شريك طويل الأجل في إدارة التحول لا مجرد ممول عابر، ويقول للمواطن إن القطاع الخاص ليس محطة اضطرار بل ساحة مستقبل، ويقول للجهاز الحكومي إن ملف التوطين أصبح جزءاً من التخطيط التنموي الممتد لا بنداً موسمياً في السياسات العامة. ومن هذه الزاوية يبدو التمديد خطوة اقتصادية بقدر ما هو قرار إداري يتعلق بالثقة والتوقع والاستدامة.
ولم يأتِ التمديد منفصلاً عن تحديثات نوعية، فقد أُعلن بالتوازي مع حزمة تعديلات في عام الأسرة 2026 شملت إلغاء الحد الأعلى لعدد الأبناء في علاوة الأبناء لمستفيدي البرنامج، وإضافة برنامج لدعم أبناء المواطنات العاملات في القطاع الخاص، وبرنامج لدعم زوجات المواطنين العاملات في القطاع الخاص. هذا التوسع يكشف تطوراً في فلسفة نافس من دعم الفرد الموظف إلى دعم البنية الأسرية المحيطة به. وفي الإدارة العامة الحديثة، لا يُقاس نجاح سياسة العمل بعدد من تم تعيينهم فحسب، بل بقدرتها على تقليل التسرب الوظيفي وتعظيم الاستقرار والاستبقاء. وإذا كان التوظيف هو باب الدخول إلى السوق، فإن الأسرة هي في كثير من الأحيان الشرط الخفي للاستمرار فيه. ومن ثم فإن هذه التعديلات ليست تفصيلاً اجتماعياً ملحقاً بالسياسة الاقتصادية، بل هي جزء من صميمها.
التحدي المقبل… من التوظيف إلى الجودة والإنتاجية
إن نجاح نافس في مرحلته المقبلة لن يُقاس فقط بزيادة الأعداد، لأن الزيادة العددية قد تبلغ سقفها الطبيعي إذا لم تُترجم إلى جودة في الوظائف، ومسارات ترقٍّ واضحة، وقدرة على الاحتفاظ بالمواهب داخل الشركات، وتوازن بين الدعم الحكومي والإنتاجية الفعلية. فالسؤال الحقيقي بعد 2026 ليس: كم مواطناً دخل القطاع الخاص؟ بل: كم منهم سيتحول إلى مدير مشروع، أو قائد فريق، أو خبير تقني، أو صاحب قيمة مضافة يصعب الاستغناء عنها؟ هنا ينتقل التحدي من السياسة الاجتماعية إلى اقتصاد المهارات. والبرنامج يملك بالفعل بنية تمكّنه من هذا الانتقال، بما يتضمنه من مسارات تدريب وتأهيل وقيادات، لكن المرحلة الجديدة تحتاج إلى تركيز أشد على جودة بيئات العمل، وعلى ربط الدعم بالتطور الوظيفي، وعلى قياس الأثر بالإنتاجية والمهارة والاستدامة، لا بالتعيين وحده.
يمثّل نافس تجربة لافتة في الجمع بين الاقتصاد والإدارة والسياسة الاجتماعية ضمن إطار واحد. فهو لم يتعامل مع التوطين كفرض رقابي فقط، ولم يختزله في منحة مالية، بل حاول أن يبني سوقاً أكثر توازناً عبر تعديل الحوافز وتخفيف الفوارق ورفع الجاذبية المؤسسية للقطاع الخاص. ومن ثم فإن تمديده حتى 2040 يبدو منطقياً، لأن بناء عادات مهنية جديدة، وثقافة اجتماعية جديدة، وشراكة جديدة بين الدولة والقطاع الخاص، يحتاج زمناً أطول من دورة حكومية أو موجة اقتصادية. وإذا نجحت المرحلة المقبلة في تحويل المكاسب الكمية إلى رسوخ نوعي في المهارة والقيادة والاستبقاء، فإن نافس لن يكون مجرد برنامج ناجح في التوطين، بل نموذجاً في كيفية استخدام الإدارة العامة لصناعة سوق عمل وطني أكثر نضجاً وكفاءة واستقراراً.