أصدرت مؤسسة دبي للمستقبل النسخة الخامسة من «تقرير الفرص المستقبلية: 50 فرصة عالمية»، الذي يركز هذا العام على قياس مستوى التقدم المحرز في 50 فرصة متنوعة سبق أن تناولتها الإصدارات السابقة من التقرير المعرفي السنوي.
ويهدف التقرير إلى تمكين الحكومات والمؤسسات والأفراد من استكشاف أدوارهم وقدراتهم في تحويل الفرص المستقبلية إلى واقع عملي، والاستفادة منها في دعم النمو والازدهار وتحسين جودة الحياة.
وتطرح كل فرصة واردة في التقرير سؤالا أساسيا أمام صناع القرار في المؤسسات: «كيف يمكن أن تستفيد مؤسستكم من هذه الفرصة؟ وما الدور الذي يجب أن تؤديه؟»، إلى جانب سؤال موجه إلى الأفراد: «أين توجهون جهودكم واستثماراتكم؟ وما هي المهارات التي تحتاجون إليها لمواكبة هذا التغيير؟».
ويركز التقرير على المسارات المحتملة التي يمكن أن تقود إلى المستقبل المنشود، مع التأكيد على أهمية الانتقال من مرحلة الأفكار إلى آليات التنفيذ، وتحديد سبل توفير الاستثمارات والتمويل اللازم للاستفادة من الابتكارات الواعدة.
180 خبيرا ومتخصصا يشاركون في إعداد التقرير
أعدت مؤسسة دبي للمستقبل التقرير بمشاركة أكثر من 180 خبيرا ومتخصصا من دولة الإمارات ومختلف دول العالم، أسهموا بخبراتهم ورؤاهم في تحليل الفرص المستقبلية وسبل تطبيقها وتنفيذها.
واستند التقرير إلى خمس فرضيات طويلة الأجل، تشمل استمرار التغير المناخي، واتساع الفجوة بين المجتمعات، وتحسن معدلات صحة الإنسان وعمره، وتزايد الترابط العالمي، وتسارع وتيرة التقدم التكنولوجي.
التحديات بداية لمسارات جديدة للنمو
وأكد معالي محمد عبدالله القرقاوي نائب رئيس مجلس الأمناء العضو المنتدب لمؤسسة دبي للمستقبل ورئيس متحف المستقبل، أن المستقبل تصنعه العقول التي ترى في التحديات بداية لمسارات جديدة للتقدم والنمو، وكل فرصة مستقبلية هي دعوة للتفكير بشكل مختلف، والعمل بشجاعة أكبر، والإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل مما نتخيل.
وقال معاليه: «دولة الإمارات نجحت منذ تأسيسها وبفضل رؤية قيادتها في تطوير نموذج عالمي ملهم يتبنى عقلية طموحة ترى في التحديات فرصا واعدة للنمو والتقدم وتحقيق ما قد يراه الكثير مستحيلا. ولطالما كانت أنجح قرارات التخطيط المستقبلي في ظل أصعب الظروف وفوق كل التوقعات».
وأضاف معاليه: «أكدت تجربة دولة الإمارات أن القرارات الجريئة لا تغير الحاضر فقط، بل تعيد تشكيل المستقبل بأكمله… وهكذا تصنع التحولات الكبرى: بقرارات جريئة، وبعقول تؤمن بأن المستقبل ليس حدثا ننتظره، بل مشروعا نصممه. وهذه هي العقلية التي تحتاج إليها مؤسساتنا ومدننا ومجتمعاتنا اليوم».
50 فرصة في قطاعات المستقبل
يتضمن التقرير 50 فرصة موزعة على عدد من القطاعات الرئيسية، من بينها الروبوتات والطاقة والصحة والفضاء والتكنولوجيا والمياه والتنقل والاقتصاد الرقمي.
ومن أبرز الفرص التي يستعرضها التقرير مستقبل الجيل القادم من الروبوتات، وإمكانية تطوير منصات روبوتية واسعة الانتشار ومنخفضة التكلفة، بما يوفر حلولا قابلة للتوسع ويسهم في تحقيق أهداف تنموية كان الوصول إليها أكثر صعوبة في السابق.
كما يلفت التقرير إلى أهمية إتاحة المنشورات العلمية والأكاديمية عبر منصة مركزية مفتوحة، بما يسرع الابتكار، ويعزز التعاون بين التخصصات، ويوسع انتشار المعرفة، ويشرك مختلف فئات المجتمع في إنتاج العلم والاستفادة منه.
فرص جديدة في قطاع الطاقة
يتناول التقرير إمكانية إنشاء مجمعات من الألواح الشمسية العائمة في الفضاء، تعمل بواسطة ذكاء آلي متقدم يضمن اختيار الموقع والمدار الأنسب، بما يتيح إنتاج الطاقة المتجددة على مدار الساعة ونقلها إلى الأرض بصورة موثوقة.
ويشير إلى أن الفضاء قد يتحول أيضا إلى موقع استراتيجي لتخزين الطاقة على نطاق واسع، من خلال شبكات من المكثفات الفائقة المدارية القادرة على الاحتفاظ بالطاقة ونقلها إلى الأرض لتلبية الاحتياجات المتزايدة على الكوكب وفي الفضاء.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن 55% من إنتاج الكهرباء عالميا سيعتمد على مصادر الطاقة النظيفة بحلول عام 2035.
كما يتوقع التقرير أن تسهم المواد فائقة التوصيل في نقل الكهرباء إلى الأفراد والصناعات من دون فقدان، بما يساعد على إنشاء شبكات أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على الاستجابة للطلب المتزايد على الطاقة.
مستقبل الصحة والعلاجات المتقدمة
في مجال الصحة، يستعرض التقرير إمكانات المواد الحيوية النانوية والمواد الاصطناعية في إنتاج أقمشة وملابس ذكية قادرة على تزويد جسم الإنسان بالحد الأدنى من احتياجاته اليومية من الفيتامينات، بما يدعم الصحة ويساعد على مواجهة نقص العناصر الغذائية.
كما يشير إلى أن المحيطات تضم تنوعا حيويا هائلا لم يستكشف منه سوى جزء محدود، وهو ما يفتح آفاقا جديدة أمام التقنيات الحيوية البحرية وعلم الأدوية والصناعات الدوائية والغذائية.
ويلفت التقرير إلى أن 75% من الأمراض المعدية الجديدة ظهرت في مناطق شهدت اختلالات حادة في التنوع الحيوي، ما يعزز أهمية الحفاظ على النظم البيئية وربطها بمستقبل الصحة العامة.
ومن بين الفرص الواعدة أيضا تطوير مواد كربونية نانوية قادرة على إزالة الملوثات من المياه بكفاءة عالية، بما في ذلك الجزيئات متناهية الصغر، الأمر الذي قد يسهم في تحسين الوصول إلى المياه النظيفة، في ظل افتقار 2.1 مليار شخص حول العالم إلى مياه الشرب الآمنة.
كما يناقش التقرير إمكانية استخدام الفيروسات الآكلة للبكتيريا، بما فيها الفيروسات المعدلة وراثيا، بديلا علاجيا للمضادات الحيوية، عبر استهداف البكتيريا المسببة للمرض بصورة دقيقة.
تطورات مرتقبة في وسائل التنقل
يتوقع التقرير ظهور موجة من الابتكارات التقنية في مجال إنتاج عجلات وإطارات السيارات، بما قد يعيد تشكيل مستقبل صناعة المركبات.
وتشمل هذه الابتكارات تقنيات الرفع المغناطيسي، والحلول المستوحاة من الطائرات من دون طيار، وبدائل متقدمة للإطارات المطاطية يمكن أن تسهم في تقليل استهلاك الطاقة والانبعاثات.
كما يشير التقرير إلى أن التطورات المتسارعة في فيزياء الكم قد تحدث تحولات كبيرة في الاتصالات والتشفير والحوسبة، وتعزز حضور التقنيات الرقمية وتأثيرها في الحياة اليومية.
فرص متنامية في اقتصاد الفضاء
يؤكد التقرير أن التطورات في الأقمار الصناعية والذكاء الآلي المتقدم ستسهم في تمكين سكان العالم من الوصول إلى الإنترنت بكفاءة عالية، مع دعم تقنيات إنترنت الأشياء وتقليل أعطال الشبكات من خلال الانتقال الذكي بين الشبكات الخلوية والفضائية.
كما قد يصبح من الممكن إنشاء منازل متقدمة مستوحاة من أبحاث الفضاء، تكون مكتفية ذاتيا وقادرة على توفير أساسيات الحياة، بما يخفف الضغوط على موارد كوكب الأرض.
وتشير التقديرات إلى أن حجم اقتصاد الفضاء قد يصل إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035.
مستقبل مراكز البيانات والحوسبة المحلية
يتناول التقرير إمكانية التوسع في تخزين البيانات ومعالجتها داخل الأجهزة المحلية القريبة من مصادرها، بدلا من نقلها بصورة مستمرة إلى مراكز بيانات مركزية.
ويسهم هذا التوجه في تسريع معالجة البيانات، وتحسين الأداء، وتقليل زمن الاستجابة، إلى جانب تعزيز كفاءة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والواقع المعزز والأنظمة المتصلة.
وتشير التقديرات إلى أن عدد أجهزة إنترنت الأشياء قد يصل إلى 50 مليار جهاز بحلول عام 2035، فيما يتوقع أن يبلغ حجم سوق تصنيع أشباه الموصلات عالميا نحو تريليون دولار بحلول عام 2030.
كما يناقش التقرير إمكانية تطوير آلات قادرة على إصلاح الأعطال ذاتيا من دون تدخل بشري، من خلال دمج الصيانة الوقائية والمواد الذكية وأجهزة الاستشعار المتقدمة.
وقد يسهم ذلك في دعم التصنيع المستمر، وتعزيز استدامة المنتجات والروبوتات، وإطالة عمرها التشغيلي.
الطباعة الحيوية واللمس من دون تلامس
يستعرض التقرير دور الطباعة الحيوية الشخصية في إحداث تحول في مجال زراعة الأعضاء، من خلال طباعة أعضاء اعتمادا على خلايا المريض نفسه، بما يزيد فرص تقبل الجسم لها ويرفع احتمالات نجاح العلاج.
كما يشير إلى أن تقنيات اللمس من دون تلامس قد تنقل التجارب الرقمية إلى مستوى جديد، عبر تمكين المستخدم من الإحساس باللمس من دون الحاجة إلى أجهزة قابلة للارتداء.
ومن المتوقع أن تدعم هذه التقنيات مجالات الألعاب والواقع الممتد والرعاية الصحية والتفاعل اليومي مع الأنظمة الرقمية.
النمو السكاني يفرض حلولا قابلة للتوسع
يضع التقرير الفرص المستقبلية ضمن سياق التحولات الديموغرافية العالمية، إذ يتوقع أن يصل عدد سكان الأرض إلى 10.3 مليار نسمة خلال 60 عاما.
ويزيد هذا النمو الحاجة إلى تسريع تطوير حلول قابلة للتوسع في قطاعات الطاقة والصحة والغذاء والمياه والبنية التحتية والتكنولوجيا.
ويعكس تقرير «50 فرصة عالمية» أهمية الاستعداد المبكر للتحولات المقبلة، وتوجيه الاستثمارات والمهارات والقدرات نحو فرص يمكن أن تسهم في تحسين جودة الحياة ودعم النمو المستدام.
ويمكن الاطلاع على «تقرير الفرص المستقبلية: 50 فرصة عالمية» باللغتين العربية والإنجليزية عبر الموقع الإلكتروني لمؤسسة دبي للمستقبل.