الجمعة, 18 سبتمبر, 2026


لطيفة بنت محمد: الثقة والانتماء يصنعان المدن العظيمة وعقلية الإمكان تقود المستقبل
en
17 سبتمبر 2026
لطيفة بنت محمد: بالثقة والانتماء تُكتب السيرة الحقيقية للمدن

شهدت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، فعاليات قمة الإعلام العربي 2026، التي تقام برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وينظمها نادي دبي للصحافة خلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر الجاري، بمشاركة نخبة من القيادات والشخصيات الإعلامية والفكرية والأكاديمية وصناع المحتوى والمؤثرين والمعنيين بقطاع الإعلام من دولة الإمارات ومختلف أنحاء العالم العربي.

وخلال القمة، ألقت سموها كلمة رئيسة بعنوان «هكذا تُكتَب سيرة المدن»، بحضور سمو الشيخ محمد بن راشد بن محمد بن راشد آل مكتوم، ونائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، رئيس اللجنة التنظيمية لقمة الإعلام العربي، منى غانم المري.

وركزت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم في كلمتها على قيمة الثقة باعتبارها أحد أهم الأسس التي تبنى عليها العلاقة بين الإنسان والمكان، مؤكدة سموها أن الثقة لا تتشكل في لحظة، وإنما تنمو عبر التجارب وتترسخ عندما يرى الإنسان أن الأفعال تنسجم مع الأقوال، لتتحول في النهاية إلى إيمان راسخ بالمستقبل.

من بناء السمعة إلى ترسيخ الثقة

أكدت سموها أن دبي ودولة الإمارات تجاوزتا منذ وقت طويل مفهوم بناء السمعة، وانتقلتا إلى مرحلة أعمق تتمثل في بناء الثقة وترسيخها في حياة الناس، موضحة سموها أن هذه الثقة لم تتكون في سنوات الازدهار فقط، وإنما ازدادت قوة في اللحظات التي واجه فيها المجتمع تحديات واختبارات حقيقية.

وقالت سموها: «حين أثبتت قيادتنا أنّ الإنسان يأتي أولاً، فكانت حاضرة معه ولأجله، وحين أثبتت مؤسساتنا قدرتها على الاستجابة السريعة، وحماية الإنسان، وضمان استمرارية حياته وأعماله؛ هنا تحوّلت الثقة من قيمة نتحدث عنها إلى تجربة يعيشها الناس بأنفسهم، وتحوّلت المسؤولية من دور مؤسسي إلى حالة مجتمعية فريدة يشارك فيها الجميع، وتحوّلت القيم إلى أفعال، وأظهر مجتمعنا متعدد الثقافات والجنسيات قدرته الاستثنائية على التضامن والتماسك».

وعبرت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم عن فخر سموها بما أظهره المجتمع الإماراتي من تلاحم وتماسك، وما جسدته الدولة من حكمة في التعامل مع الأزمات، ولاسيما خلال العدوان الأخير.

وقالت سموها: «شهدنا أمراً يثلج الصدر.. رأينا مدى قرب قيادتنا وشيوخنا من الشعب، واعتزاز شعب الإمارات بوطنه وهويته، وتمسكه بالمبادئ الإماراتية وبالنهج الذي رسمه لنا الآباء المؤسسون، طيّب الله ثراهم، هذا النهج الذي يسير عليه اليوم قادتنا، صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله. وكنا نتوقع هذا الالتفاف من شعبٍ أخلص لرفعة وطنه، وأحب ولي أمره الذي أخلص بدوره لرفعة شعبه. ومما أثلج صدورنا أكثر التفاف المقيمين في الدولة، والمستثمرين، وكل من اختار أن يعيش على هذه الأرض الطيبة حول قيادتها، ودفاعهم عنها بكل حب وإخلاص، وهو موقف نعتز به».

الإنسان في قلب التنمية

وأشارت سموها إلى أن المشهد الذي شهدته دولة الإمارات خلال أصعب الظروف أثار كثيرا من النقاشات والتوقعات، إذ اعتقد البعض أن أعدادا كبيرة من الناس قد تختار مغادرة الدولة، إلا أن الواقع أظهر تمسك شريحة واسعة من المقيمين والمستثمرين بحياتهم في الإمارات وثقتهم بها.

وفي هذا السياق قالت سموها: «توقّع الكثيرون أن يكون هناك مقابل وراء الدفاع عن الإمارات، وأنا أؤكد للجميع اليوم صحة ذلك، فالمقابل أنهم عاشوا في بلد وضع الإنسان في قلب التنمية والتطور والإعمار، وجعل مخرجات هذا التطور تصب في خدمته».

وأوضحت سموها أن كل من يعمل في القطاع الحكومي في دبي يدرك الهدف الواضح الذي وضعه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أمام المؤسسات والدوائر الحكومية، والمتمثل في تحقيق سعادة وراحة ورفاهية كل من يعيش على أرض دبي.

وأكدت سموها أن توجه المؤسسات والأنظمة والتحولات الاستراتيجية نحو خدمة الإنسان وتحسين جودة حياته يقود بصورة طبيعية إلى بناء علاقة قوية من الثقة بين الفرد وبين البلد وقيادته وحكومته.

عقلية الإمكان وراء الإنجازات

وتطرقت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم إلى ما وصفته سموها بعقلية الإمكان التي تميز تجربة دبي ودولة الإمارات، والتي أسهمت في صناعة نجاحات متتالية في قطاعات مختلفة وعززت مكانة الدولة على المستوى العالمي.

وقالت سموها: «حبانا الله قيادةً لا تعرف المستحيل، حقّقت نجاحات متتالية في شتى القطاعات والمجالات، وعزّزت تنافسيتنا العالمية. وسبب هذه النجاحات والإنجازات ليس فقط كفاءة فرق العمل، أو حجم المشاريع والاستثمارات، أو قوة وصلابة البنية التحتية، بل عقلية الإمكان التي تدفعنا نحو الإنجاز وتجعل أنظارنا دائماً على المركز الأول».

وأشارت سموها إلى أن دولة الإمارات آمنت منذ البداية بقدرات أبنائها، كما استثمرت في كل من اختار أن يعيش ويعمل على أرضها، ووفرت لهم الأدوات والبنية التحتية والتعليم والأنظمة والبيئة التي تساعد على النجاح.

وأكدت سموها أن هذا النهج جعل الإنسان شريكا في صناعة المستقبل، ورسخ فكرة أن النجاح متاح لكل من يمتلك الطموح ويقرنه بالاجتهاد والعمل.

كما شددت سموها على أن القيمة الأعمق في التجربة الإماراتية لا تتمثل فقط في الإنجازات الكبيرة التي تحققت، وإنما في النهج والعقلية التي جعلت تحقيق هذه الإنجازات أمرا ممكنا ومستداما.

الانتماء لا تصنعه الفرص وحدها

وتحدثت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم عن نجاح دبي كمدينة عالمية استطاعت أن تستقطب السياح والمستثمرين والمقيمين من مختلف أنحاء العالم، مؤكدة سموها أن جذب الناس بالفرص والعمل والاستثمارات قد يكون أمرا ممكنا للمدن الناجحة، إلا أن صناعة الانتماء تحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك.

وأوضحت سموها أن الانتماء الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان بأن علاقته بالمكان ليست قائمة فقط على ما يحصل عليه منه، وإنما أيضا على ما يستطيع أن يقدمه إليه.

وحين يشعر الفرد بأن وجوده له قيمة، وأن له دورا حقيقيا في صناعة المستقبل، تتحول علاقته بالمدينة من مجرد إقامة أو فرصة عمل إلى ارتباط أعمق يقوم على المشاركة والانتماء.

الإعلام والذكاء الاصطناعي.. الثقة أصبحت أكثر قيمة

وانتقلت سموها في كلمتها إلى الحديث عن التحولات الكبيرة التي يشهدها قطاع الإعلام، حيث تغيرت طبيعة صناعة المحتوى وأدواتها، ولم تعد المعلومة نادرة كما في السابق، كما أصبح الوصول إلى الجمهور أسهل، ولم تعد صناعة المحتوى حكرا على جهة أو مؤسسة بعينها.

وأشارت سموها إلى الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في تسهيل إنتاج المحتوى وتحويل الأفكار إلى قصص يمكنها الوصول إلى جمهور واسع خلال وقت قصير.

لكن سموها لفتت إلى أن هذه الوفرة الكبيرة في المحتوى جعلت الثقة أكثر أهمية من أي وقت مضى، خصوصا مع الانتشار المتزايد للمحتوى المنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي، والتوسع في تداول المعلومات المضللة والمحتوى القابل للتزييف والتلاعب عبر المنصات الرقمية.

وأوضحت سموها أن هذا الواقع يضع مصداقية الأخبار والمعلومات أمام تحد كبير، في وقت أصبح فيه المتلقي أكثر حذرا تجاه ما يراه أو يقرأه على المنصات المختلفة.

كما لفتت سموها إلى خصوصية هذا التحدي في العالم العربي، حيث يشكل من هم دون سن الثلاثين أكثر من 55% من السكان، وهو جيل شديد الاتصال بالعالم الرقمي، وفي الوقت نفسه أكثر وعيا بالمخاطر التي تحملها الأخبار المزيفة والمحتوى المفبرك.

وأشارت سموها إلى أن الخطر يصبح أكبر عندما يغدو كل شيء قابلا للتزييف، بما قد يؤدي إلى اهتزاز الثقة حتى في الحقيقة نفسها.

التجربة الإنسانية لا يمكن استبدالها

وأكدت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم أن سهولة صناعة القصص ونشرها بفعل التطور التكنولوجي تمنح التجربة الإنسانية الحقيقية قيمة أكبر.

وأوضحت سموها أن التكنولوجيا تستطيع أن توسع انتشار القصة وتحسن شكلها وتوصلها إلى ملايين الأشخاص خلال ثوان، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الإنسانية الصادقة والعفوية التي تمنح القصة روحها ومعناها الحقيقي.

ومن هنا، أكدت سموها أن التجارب الواقعية التي يعيشها الناس تظل من أقوى الأدوات القادرة على بناء الثقة وترسيخ صورة المدن والمجتمعات.

فالقصص الأكثر تأثيرا ليست بالضرورة تلك التي يقولها المكان عن نفسه، وإنما التي يرويها الناس عنه نتيجة ما عاشوه فيه من تجارب وما وجدوه من ثقة وفرص وانتماء.

الشباب العربي وصناعة المستقبل

وتناولت سموها كذلك ما تمتلكه المنطقة العربية من رصيد حضاري وثقافي استثنائي، بما تضمه من تاريخ عريق وثقافات متعددة ولغة حملت الفكر والشعر والعلم والمعرفة عبر قرون.

وأشارت سموها إلى أن هذا الإرث يتكامل اليوم مع ما تمتلكه المنطقة من طاقات بشرية كبيرة ومواهب وأجيال شابة لديها قدرة غير مسبوقة على التواصل مع العالم والاستفادة من أدوات التكنولوجيا الحديثة.

وأكدت سموها أن منح الثقة لهذه الأجيال وفتح المجال أمامها للمشاركة في صناعة المستقبل سيجعل دورها يتجاوز الاستفادة من الفرص الموجودة إلى صناعة فرص جديدة بنفسها، والمساهمة في إحداث تحولات نوعية وقيادة التغيير.

المدن العظيمة تجعل الإنسان شريكا في مستقبلها

وشددت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم على أن المدن الناجحة تستطيع جذب الناس، لكن المدن العظيمة تذهب إلى ما هو أبعد، إذ تمنح سكانها فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبلها.

وأوضحت سموها أن الإنسان حين يشعر بالثقة ويجد مساحة للمساهمة والنجاح، يصبح بنفسه واحدا من رواة قصة المدينة، وتتحول تجربته فيها إلى شهادة حية على قدرتها على صناعة الانتماء.

وبذلك، لا تكتب سيرة المدن بالمشاريع وحدها، ولا بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تتركه في حياة الناس، وبالقصص التي يحملها سكانها معهم ويروونها للعالم.

واختتمت سموها كلمتها بالحديث عن مدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قائلة: «تعلمنا من مدرسة محمد بن راشد أن العمل بإخلاص وبِنيَّة صادقة يسبق الإنجاز.. والإنجاز هو الذي يتحدث عن نفسه».