الخميس, 23 أبريل, 2026


بودكاست – د. محمد الكويتي من يستهدف الإمارات سيبرانياً
23 أبريل 2026
د. محمد الكويتي

يطل الدكتور محمد الكويتي في هذا البودكاست بصفته رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات، ليقود المستمع إلى واحد من أكثر ميادين العصر حساسية وتعقيداً، وهو ميدان الأمن السيبراني. غير أن ما يميز هذا الحديث أنه لا يُغرق السامع في المصطلحات التقنية الجامدة، ولا يحصر القضية في نطاق الخبراء وحدهم، بل يفتح الباب لفهم أوسع وأكثر عمقاً لطبيعة الأخطار التي تتسلل عبر الفضاء الرقمي، وللكيفية التي أصبحت بها حماية البيانات والأنظمة جزءاً لا يتجزأ من حماية الأوطان واستقرار المجتمعات.

ينطلق الحوار من سؤال شديد المباشرة والأهمية، من يستهدف الإمارات سيبرانياً، لكنه لا يكتفي بمحاولة تسمية الفاعلين أو توصيف نياتهم، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك طبيعة هذا الاستهداف وأهدافه وأساليبه. فالعالم الرقمي، كما يتضح في هذا الحديث، لم يعد مجرد مساحة للخدمات والاتصال وتبادل المعلومات، بل تحول إلى ساحة صراع مفتوح تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية، وتتداخل فيها أدوات الاختراق مع أدوات التأثير والتضليل والتشويه. ومن هنا تبرز خطورة المشهد، لأن الهجوم السيبراني لا يقتصر على تعطيل نظام أو سرقة حساب، بل قد يمتد أثره إلى الثقة العامة، وإلى الاقتصاد، وإلى صورة الدولة، بل وإلى الأمن المجتمعي في أوسع معانيه.

ويكشف الدكتور محمد الكويتي بأسلوب واضح ومتماسك أن الإمارات، بوصفها دولة متقدمة رقمياً وسريعة التحول نحو الخدمات الذكية، تمثل هدفاً دائماً لمحاولات الاختراق والاختبار والاستنزاف. وهذه الحقيقة لا تُطرح في الحديث بروح تهويل أو تخويف، بل بروح المسؤولية والوعي. فالبلدان التي تبني نماذج ناجحة في التحول الرقمي تجذب معها، للأسف، أنظار من يسعون إلى العبث أو التسلل أو التخريب. ولذلك يصبح الأمن السيبراني ضرورة سيادية لا تقل أهمية عن أي منظومة دفاعية أخرى، لأن البنية الرقمية الحديثة صارت تمثل شرياناً حيوياً للدولة ومؤسساتها وقطاعاتها الحيوية.

ومن أجمل ما في هذا الحديث أنه يُعيد الأمن السيبراني إلى أصله الإنساني، فلا يقدمه بوصفه معركة بين أجهزة وبرامج فقط، بل بوصفه معركة وعي في المقام الأول. فالثغرة قد لا تكون دائماً في النظام، بل في السلوك، وقد لا تبدأ من خادم إلكتروني معقد، بل من رسالة احتيالية عابرة، أو كلمة مرور ضعيفة، أو رابط مجهول، أو استخدام غير حذر للأجهزة والتطبيقات. ومن هنا تتجلى الفكرة الأساسية التي يرسخها الضيف، وهي أن الفرد العادي ليس بعيداً عن هذه المعركة، بل هو جزء منها، وأن مسؤوليته في حماية نفسه وبياناته وخصوصيته لا تقل شأناً عن مسؤولية المؤسسات في بناء الأنظمة وتأمين الشبكات.

كما يلفت الحديث الانتباه إلى أن التهديدات السيبرانية لم تعد ذات شكل واحد أو هدف واحد. فهناك اختراقات تستهدف البيانات، وأخرى تتجه نحو الابتزاز، وثالثة تسعى إلى نشر الفوضى أو بث الأخبار المضللة أو تقويض الثقة في المؤسسات. وهذا الاتساع في أشكال الخطر يجعل المواجهة أكثر تعقيداً، ويجعل الحاجة إلى الجاهزية المستمرة أمراً لا يقبل التأجيل. فالمعركة الرقمية لا تعرف الهدوء الكامل، ولا تمنح أحداً ترف الاطمئنان المطلق، لأنها ساحة تتبدل فيها الأدوات بسرعة، وتتطور فيها أساليب المهاجمين بقدر تطور وسائل الحماية وربما أكثر.

وفي ثنايا هذا الحديث يبرز معنى مهم آخر، وهو أن بناء منظومة قوية للأمن السيبراني لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، مهما بلغت قوتها، بل يعتمد كذلك على التشريعات، والتعليم، والتدريب، وصناعة الكفاءات الوطنية، والتعاون بين الجهات المختلفة داخل الدولة وخارجها. وهذا الطرح يمنح الموضوع بعداً استراتيجياً راقياً، لأنه يبين أن المواجهة الحقيقية لا تُبنى بردود الفعل المؤقتة، بل ببناء ثقافة مؤسسية ومجتمعية تجعل الوقاية جزءاً من الحياة اليومية، وتجعل الوعي ممارسة مستمرة لا حملة موسمية عابرة.

ينجح هذا البودكاست في تحويل موضوع شديد التشعب إلى سرد واضح وجاد ومشوق، ويمنح المستمع فرصة نادرة لفهم عالم الأمن السيبراني من زاوية عملية ووطنية وإنسانية في آن واحد. إن الرسالة الأعمق التي يخرج بها المتلقي هي أن حماية الفضاء الرقمي لم تعد شأناً نخبوياً، ولا مهمة مؤجلة إلى وقت الخطر، بل هي وعي يبدأ من الفرد ويمتد إلى المجتمع ثم إلى الدولة. ولذلك يترك هذا اللقاء أثراً فكرياً واضحاً، لأنه لا يكتفي بشرح التهديد، بل يوقظ الإحساس بالمسؤولية، ويؤكد أن المستقبل الرقمي الآمن لا يصنعه الخوف، بل يصنعه الفهم، والانتباه، والاستعداد الدائم.

اسم البودكاست: عرب كاست

مقدم البودكاست: جمال الملا

ضيف الحلقة: محمد الكويتي

تاريخ نشر الحلقة: Jun 25, 2024