تواصل دولة الإمارات إطلاق مبادرات تعليمية تتجاوز الحدود والقارات، في إطار نهج إنساني يضع حق الأجيال القادمة في التعليم ضمن أولوياته الأساسية.
وتستهدف هذه المبادرات تطوير واقع التعليم في المجتمعات الأقل حظا، ومساندة الدول التي تواجه حروبا وصراعات وكوارث، إلى جانب المناطق التي تستضيف أعدادا كبيرة من اللاجئين والنازحين.
وينطلق هذا التوجه من إيمان الإمارات بأن التعليم لا يمثل حقا أساسيا من حقوق الإنسان فحسب، بل يعد أيضا وسيلة رئيسية للاستثمار في الطاقات البشرية، وتمكين المجتمعات من بناء مستقبل أفضل اعتمادا على قدرات أبنائها.
وفي أحدث خطواتها ضمن هذا المسار، تعهدت دولة الإمارات العربية المتحدة بتقديم 5 ملايين دولار أمريكي لصندوق “فيفا وغلوبال سيتيزن – FIFA وGlobal Citizen” للتعليم، تأكيدا لاستمرارها في دعم المبادرات الدولية الهادفة إلى توفير مستقبل أكثر ازدهارا للأجيال المقبلة.
ويأتي ذلك بعد نحو أسبوعين من إعلان مؤسسة “مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية” إطلاق مبادرة جديدة لدعم التعليم الرقمي، تنفذها “المدرسة الرقمية”، وتستهدف أكثر من 500 ألف مستفيد في ست دول أفريقية.
وخلال السنوات الماضية، امتد الدعم الإماراتي للقطاع التعليمي إلى دول ومناطق عدة، من بينها تشاد والسودان واليمن وأوكرانيا وفلسطين، ضمن منظومة المساعدات الإنسانية التي لا تقتصر على الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، بل تشمل كذلك تمكين الطلبة من مواصلة التعليم ودعم البنية التحتية التعليمية.
5 ملايين دولار لصندوق “فيفا وغلوبال سيتيزن” للتعليم
تعهدت دولة الإمارات العربية المتحدة بتقديم 5 ملايين دولار أمريكي لصندوق “فيفا وغلوبال سيتيزن – FIFA و Global Citizen” للتعليم، في خطوة تعكس نهجها المستمر في دعم المبادرات الدولية المرتبطة بالتنمية البشرية والتعليم.
ومن المنتظر أن يسهم هذا الدعم في مساندة جهود الصندوق الرامية إلى تحسين فرص الوصول إلى التعليم، من خلال تنفيذ مبادرات تساعد الأطفال على اكتساب المعارف والمهارات التي يحتاجون إليها لتحقيق النجاح.
كما يدعم التعهد الإماراتي مساعي تعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات التي تعيق وصول الأطفال والطلبة إلى فرص تعليمية مناسبة، خصوصا في المجتمعات التي تعاني نقص الموارد أو تداعيات الأزمات.
ويجسد هذا الدعم التزام دولة الإمارات بالاستثمار في الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية القادرة على توفير فرص تعليمية مستدامة وشاملة للأجيال القادمة.
وتعد “غلوبال سيتيزن” منظمة دولية تعمل على دفع الجهود العالمية الرامية إلى القضاء على الفقر المدقع، من خلال إشراك الحكومات والشركات والمؤسسات الخيرية والفنانين والأفراد في اتخاذ إجراءات ملموسة ضمن مجالات عدة، تشمل التعليم والصحة والعمل المناخي والأمن الغذائي والمساواة بين الجنسين.
دعم التعليم الرقمي في 6 دول أفريقية
جاء الإعلان عن هذا الدعم بعد نحو أسبوعين من إطلاق مؤسسة “مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية” مبادرة تعليمية معرفية جديدة تنفذها “المدرسة الرقمية”، وتستهدف أكثر من 500 ألف مستفيد في ست دول أفريقية.
وتشمل الدول المستفيدة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وجمهورية نيجيريا الاتحادية، ومملكة ليسوتو، وجمهورية زامبيا، وجمهورية ناميبيا، وجمهورية أنغولا.
وتضم المبادرة عددا من المحاور والمشاريع، من بينها دعم التعليم المدرسي، وتجهيز مساحات التعلم الرقمي، وبناء قدرات المعلمين، إلى جانب تدريب الشباب وتأهيلهم لتلبية متطلبات سوق العمل.
وبدأت خطوات التنسيق لتنفيذ هذه البرامج فعليا، إذ وقعت “المدرسة الرقمية” مذكرات تعاون مع الجهات المعنية في الدول المستهدفة، بما يمهد لإطلاق المشاريع وفق احتياجات كل دولة ومجتمع.
وأكد معالي عمر سلطان العلماء وزير الدولة الإماراتي للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بعد، رئيس مجلس إدارة المدرسة الرقمية، أن المبادرة تأتي في سياق جهود المدرسة الرقمية لتوسيع نطاق برامجها والوصول إلى أعداد أكبر من الطلبة والمعلمين والشباب في المجتمعات الأقل حظاً حول العالم.
وقال إن المدرسة الرقمية تؤمن بأن التعليم الرقمي مفتاح تغيير إيجابي لمستقبل المجتمعات، وتواصل لتحقيق هذه الرؤية، توسيع دائرة شراكاتها الإيجابية مع الجهات والمؤسسات في الإمارات والعالم، بما يسهم في النهوض بالمنظومات التعليمية والثقافية، وفتح آفاق علمية وتقنية جديدة تُحدث تحولات إيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات، مشيراً إلى أن توظيف الحلول الرقمية المتقدمة في التعليم يسهم في تمكين أبناء الفئات الأقل حظًا من تجاوز التحديات التي تواجه مسيرتهم التعليمية.
وتهدف المبادرة إلى تحقيق أثر تعليمي وتنموي واسع خلال ثلاث سنوات، عبر تقديم مسارات تعليمية وتدريبية مرنة تعتمد على التكنولوجيا، وتمكين الطلبة من الوصول إلى تعليم رقمي عالي الجودة.
كما تشمل خطط المبادرة تدريب عشرات آلاف المعلمين على أساليب التدريس الحديثة والمهارات الرقمية، إلى جانب تزويد عشرات آلاف الشباب بمهارات عملية تعزز قدرتهم على دخول سوق العمل.
وتتضمن المبادرة كذلك إنشاء 100 مساحة تعليمية رقمية في الدول المستهدفة، بما يساعد على توسيع الوصول إلى المحتوى التعليمي وتوفير بيئات تعلم مناسبة في المناطق الأكثر احتياجا.
ومن المقرر تنفيذ البرامج التعليمية بسبع لغات، بهدف تعزيز الشمول وتوسيع نطاق الاستفادة، وتسهيل وصول الدارسين إلى المصادر التعليمية والمراجع العلمية المعتمدة عالميا.
وتتبنى المبادرة الاستثمار في التعليم باعتباره واحدا من أكثر أشكال العطاء استدامة وتأثيرا، نظرا إلى دوره في تطوير قدرات الأفراد وتحسين فرص المجتمعات على المدى الطويل.
وتهدف “المدرسة الرقمية”، التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في نوفمبر 2020، إلى تمكين الطلاب بخيارات التعلم الرقمي في المناطق والأقاليم التي لا تتوفر فيها الظروف الملائمة أو المقومات التي يحتاجها الطلاب لمتابعة تعليمهم، كما تتيح خياراً نوعياً للتعلم المدمج والتعلم عن بعد، مستهدفة بالدرجة الأولى الفئات المجتمعية الأقل حظا واللاجئين والنازحين.
الدبلوماسية الإنسانية
جعلت دولة الإمارات دعم التعليم جزءا أساسيا من دبلوماسيتها الإنسانية، إذ يمثل تمكين الطلبة من الوصول إلى المعرفة أحد المجالات الرئيسية في مساعداتها، إلى جانب توفير الغذاء والدواء والسلع الأساسية ودعم مشروعات البنية التحتية.
ويظهر هذا التوجه في المبادرات التي نفذتها الإمارات في دول ومناطق مختلفة، من أوكرانيا إلى تشاد، مرورا بسوريا وفلسطين واليمن والسودان.
وتستهدف هذه الجهود الحفاظ على حق الأجيال القادمة في التعليم داخل الدول التي تواجه الحروب والصراعات والكوارث، وكذلك الدول التي تستضيف اللاجئين والنازحين.
وعلى مدار السنوات الماضية، قدمت الإمارات دعما متنوعا للقطاع التعليمي في تشاد والسودان واليمن وأوكرانيا وفلسطين، بما يتناسب مع طبيعة الاحتياجات في كل منطقة.
وفي قطاع غزة، ما زال الطلاب وأسرهم يستذكرون المبادرات الإنسانية الإماراتية التي انطلقت منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وأسهمت في دعم العملية التعليمية رغم الظروف القاسية والدمار الذي طال عددا كبيرا من المنشآت والمرافق التعليمية.
ومنحت هذه المبادرات كثيرا من الأسر أملا في استمرار أبنائها بالتعلم، في وقت تواجه فيه العملية التعليمية تحديات غير مسبوقة نتيجة توقف المدارس وصعوبة وصول الطلاب إلى مقاعد الدراسة.
وعملت عملية “الفارس الشهم 3” على تعزيز التعليم داخل مخيمات الإيواء في قطاع غزة، عبر توزيع القرطاسية والمواد الدراسية الضرورية، للمساهمة في استمرار تعلم الأطفال والطلبة رغم تعطل المدارس.
ومن فلسطين إلى اليمن، برز الدعم الإماراتي في مراحل متعددة من العملية التعليمية بالمحافظات اليمنية المحررة، في إطار جهود تستهدف مساعدة البلاد على النهوض وبناء قدرات أجيال المستقبل.
ولم يتوقف هذا الدعم عند إنشاء المدارس أو ترميمها وصيانتها، بل شمل كذلك تأثيثها، وتوفير الوسائل والمعدات التعليمية وأجهزة الحاسوب والزي المدرسي.
وفي أكتوبر 2023، نفذت دولة الإمارات العربية المتحدة مشروعا لإعادة تأهيل وصيانة عدد من المدارس في مدينة أمدجراس التشادية، التي استقبلت عددا من اللاجئين السودانيين الفارين من الصراع في بلادهم.
وسبق ذلك تنفيذ الفرق الميدانية لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي في سبتمبر 2022 مبادرة لتوزيع الحقائب المدرسية والقرطاسية على طلاب وطالبات الأسر السودانية المتعففة والأكثر احتياجا والمتضررة من الأمطار والسيول التي ضربت عددا من الولايات آنذاك.
وامتدت المبادرات التعليمية الإماراتية إلى أوكرانيا، حيث أرسلت دولة الإمارات في أغسطس 2023 طائرة تحمل 2500 جهاز كمبيوتر محمول و10 آلاف حقيبة مدرسية، بهدف المساهمة في دعم العملية التعليمية للطلاب الأوكرانيين.
وجاءت هذه المبادرة بالتعاون مع مؤسسة السيدة الأولى لأوكرانيا أولينا زيلينسكا، في إطار الجهود الرامية إلى مساعدة الطلاب على مواصلة تعليمهم رغم الظروف التي تمر بها بلادهم.
وتعكس هذه المبادرات مجتمعة رؤية إماراتية تعتبر التعليم استثمارا طويل المدى في الإنسان، ووسيلة أساسية لحماية مستقبل الأطفال والشباب، ومساعدة المجتمعات المتضررة على استعادة قدرتها على البناء والتنمية.