أكدت معالي الدكتورة آمنة بنت عبدالله الضحاك، وزيرة التغير المناخي والبيئة، أن الأحداث الجيوسياسية الأخيرة أثبتت نجاح النهج الاستباقي الذي تتبعه دولة الإمارات في إدارة ملف الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن الدولة حافظت على استقرار الأسواق وتوافر السلع الغذائية بصورة اعتيادية، رغم الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.
وأوضحت، خلال استضافتها في بودكاست «المستقبل»، ضمن حلقة حملت عنوان «جاهزية دولة الإمارات البيئية والمناخية للمستقبل»، أن هذا النجاح لم يكن نتيجة إجراءات مؤقتة فرضتها الظروف، وإنما ثمرة رؤية طويلة الأمد وخطط استباقية نفذتها الدولة خلال السنوات الماضية، أثبتت فاعليتها في تعزيز الجاهزية والاستقرار، خصوصا في القطاعات المرتبطة بشكل مباشر بحياة المجتمع.
ويعكس هذا النهج قدرة الإمارات على استشراف التحديات والاستعداد لها قبل وقوعها، من خلال بناء منظومة غذائية مرنة، وتطوير السياسات المرتبطة بالإنتاج والاستيراد والتخزين والتوزيع، بما يضمن استمرار تدفق السلع الأساسية إلى الأسواق بكفاءة.
تنويع مصادر الغذاء
وقالت إن الإمارات عملت مبكرا على بناء منظومة مرنة للأمن الغذائي، من خلال تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز الشراكات الاقتصادية مع مختلف دول العالم، ما أسهم في توفير خيارات متعددة للسلع الغذائية وتقليل الاعتماد على أسواق محددة، وبالتالي رفع قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات العالمية بكفاءة.
وساعد هذا التوجه على تعزيز مرونة السوق المحلية، ومنح الدولة بدائل واسعة للتعامل مع أي تحديات قد تؤثر في حركة التجارة أو النقل أو الإمداد على المستوى الدولي.
وأضافت أن استراتيجية الإمارات للأمن الغذائي 2051 شكلت الإطار الرئيس لبناء منظومة متكاملة تستهدف الوصول إلى المركز الأول عالميا في مؤشر الأمن الغذائي، عبر محاور عدة تشمل تنويع مصادر الاستيراد، والحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، وتعزيز الإنتاج الوطني وزيادة مساهمته في تلبية احتياجات السوق المحلية.
وتعمل الاستراتيجية على ترسيخ أمن غذائي مستدام، لا يقتصر على التعامل مع الاحتياجات الآنية، بل يمتد إلى رفع كفاءة القطاعات الغذائية والزراعية، وتعزيز قدرتها على النمو ومواكبة التغيرات المستقبلية.
وأشارت إلى أن الأزمات تحمل في طياتها فرصا للتطوير، موضحة أن الفترة الماضية أسهمت في تعزيز وعي المستهلكين بأهمية المنتج المحلي، وزيادة الإقبال على دعمه، بما انعكس على نمو القطاع الزراعي وتعزيز دوره الاقتصادي.
دعم الإنتاج المحلي
ولفتت إلى أن منافذ البيع والجمعيات التعاونية أصبحت تولي اهتماما أكبر باستيعاب المنتجات الزراعية المحلية، فيما يواصل المركز الزراعي الوطني جهوده لتمكين المزارعين عبر تسويق منتجاتهم وربطهم بالأسواق، ومن ذلك افتتاح أول مركز خارج إمارة أبوظبي لاستلام المحاصيل الزراعية في منطقة الحمرانية برأس الخيمة بالتعاون مع شركة «سلال».
ويسهم التوسع في مراكز استلام المحاصيل في تسهيل وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق، ودعم المزارعين في عمليات التسويق والتوزيع، إلى جانب تقليل الوقت والجهد المرتبطين بنقل المنتجات إلى منافذ البيع.
وأكدت أن الوزارة تعمل على زيادة مساهمة المزارعين المحليين في منافذ البيع من خلال ربطهم مباشرة بشركات تجارة التجزئة وتوفير فرص تسويقية مستدامة، مشددة على أن الأمن الغذائي أصبح مسؤولية وطنية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص.
ويعزز هذا التعاون قدرة المنتج المحلي على المنافسة، كما يمنح المزارعين فرصا أوسع لتسويق محاصيلهم ضمن قنوات ثابتة ومنظمة، بما يدعم استقرار النشاط الزراعي ويرفع مساهمته في الاقتصاد الوطني.
وأضافت أن تطوير سلاسل الإمداد الزراعية يمثل عنصرا أساسيا في رفع كفاءة الإنتاج المحلي، عبر تقليص الفترة بين المزرعة ورفوف البيع، والحفاظ على جودة المنتجات وإطالة عمرها الافتراضي، بما يضمن وصولها إلى المستهلك بأسعار مناسبة.
ويؤدي تطوير عمليات النقل والتخزين والتوزيع إلى تقليل الفاقد، وتحسين جودة المحاصيل، وضمان وصولها إلى المستهلك بحالة جيدة، بما يدعم استدامة الإنتاج المحلي ويعزز ثقة المجتمع بالمنتج الوطني.
منظومة زراعية متكاملة
وأوضحت أن المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي يمثل منصة تجمع مختلف أطراف المنظومة الزراعية، من المزارعين وشركات التسويق والمستثمرين والمؤسسات التمويلية والشركات الناشئة، بهدف بناء شراكات جديدة تدعم تطور القطاع الزراعي.
وتوفر هذه المنصة مساحة للتعاون وتبادل الخبرات، كما تساعد على ربط أصحاب المشاريع الزراعية بالمستثمرين ومزودي التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والتمويلية.
وأكدت أن الزراعة الحديثة لم تعد تقتصر على إنتاج المحاصيل فقط، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تشمل التكنولوجيا الزراعية والمدخلات والتمويل والخدمات اللوجستية والابتكار، مشيرة إلى وجود خطط لزيادة مشاركة الطلبة وأفراد المجتمع في المجال الزراعي، وتشجيع تطوير حلول مستدامة قابلة للتوسع عالميا.
ويبرز هذا التحول اهتمام الإمارات بتطوير قطاع زراعي قائم على المعرفة والابتكار، وقادر على الاستفادة من التقنيات الحديثة في رفع الإنتاجية وترشيد استهلاك المياه والطاقة وتعزيز كفاءة الموارد.
كما تسهم مشاركة الطلبة وأفراد المجتمع في نشر ثقافة الزراعة والاستدامة، وتحفيز الأجيال الجديدة على تطوير أفكار ومشاريع تخدم الأمن الغذائي محليا، ويمكن أن تتحول مستقبلا إلى حلول قابلة للتطبيق في أسواق أخرى.
قيمة اقتصادية
وفي ملف الاقتصاد الدائري أكدت الضحاك أن دولة الإمارات تعد من الدول الرائدة في وضع استراتيجيات وأطر للإنتاج والاستهلاك المستدام، باعتبارها ركنا أساسيا في منظومة الاقتصاد الأخضر.
وأوضحت أن الإدارة المتكاملة للنفايات تمثل أحد المسارات المهمة لتحقيق أهداف الحياد المناخي، نظرا لدور هذا القطاع في خفض الانبعاثات وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، مشيرة إلى أن الإمارات نجحت في تحويل النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي من خلال إعادة التدوير وتقليل الطمر وتحويل المخلفات إلى موارد ذات قيمة.
وتعكس هذه الجهود توجها واضحا نحو الاستفادة من الموارد لأطول فترة ممكنة، والحد من الهدر، وتحويل المواد المستعملة إلى مدخلات يمكن إعادة توظيفها في قطاعات اقتصادية وإنتاجية مختلفة.
وأشارت إلى أن مركز ورسان لتحويل النفايات إلى طاقة في دبي يمثل أحد أبرز المشاريع العالمية في هذا المجال، إذ تبلغ طاقته الاستيعابية نحو مليوني طن من النفايات البلدية سنويا، ويوفر طاقة كهربائية تكفي لتغذية نحو 130 ألف وحدة سكنية.
ويجسد المشروع قدرة الدولة على الجمع بين الإدارة المستدامة للنفايات وإنتاج الطاقة، بما يقلل الاعتماد على المكبات ويسهم في خفض الأثر البيئي للمخلفات.
وأضافت أن إمارة الشارقة قدمت نموذجا متقدما في إدارة النفايات عبر تحويل نحو 90% منها بعيدا عن المكبات من خلال إعادة التدوير وتحويل النفايات إلى طاقة، فيما تعمل مجموعة تدوير في أبوظبي على تطوير منشآت متخصصة لمعالجة واستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية.
اقتصاد دائري
وقالت إن وزارة التغير المناخي والبيئة أطلقت بالتعاون مع شركة «بيئة» منصة «تحويل»، باعتبارها أول منصة رقمية وطنية لتداول المواد القابلة لإعادة التدوير، بهدف ربط منتجي هذه المواد بالمستفيدين منها وتحويل المخلفات إلى فرص اقتصادية جديدة.
وتعمل المنصة على تسهيل الوصول إلى المواد القابلة لإعادة التدوير، وربط الجهات التي تتوافر لديها هذه المواد بالمؤسسات القادرة على استخدامها، بما يعزز حركة التداول ويحد من التخلص منها بطرق غير مستدامة.
كما استعرضت مبادرة المسؤولية الممتدة للمنتج، التي تقوم على توسيع مسؤولية المنتج لتشمل مرحلة ما بعد الاستهلاك، بما يضمن استعادة المنتجات وإعادة تدويرها وإدخالها مجددا في الدورة الاقتصادية.
وتسهم هذه المبادرة في تشجيع الشركات على تطوير منتجات أكثر استدامة، والتفكير في جميع مراحل دورة حياة المنتج، بدءا من التصنيع وحتى جمعه وإعادة تدويره بعد انتهاء استخدامه.
وتطرقت إلى مبادرة «نسيج» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والتي تركز على إعادة تدوير مخلفات المنسوجات وتحويلها إلى موارد قابلة للاستخدام، بما يدعم مبادئ الاقتصاد الدائري ويحد من النفايات.
وتفتح المبادرة المجال أمام الاستفادة من مخلفات المنسوجات بدلا من التخلص منها، عبر إعادة استخدامها أو تدويرها وتحويلها إلى مواد ومنتجات جديدة ذات قيمة اقتصادية.
وأكدت أن الاستدامة لا تقتصر على إعادة التدوير فقط، وإنما تشمل إعادة استخدام المواد وتعظيم الاستفادة منها، بما يحافظ على الموارد الطبيعية ويخلق في الوقت ذاته فرصا اقتصادية واستثمارية جديدة.
استدامة راسخة
وأكدت الضحاك أن هذه المبادرات تعكس نموذجا متكاملا للشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، مشيرة إلى أن الاستدامة تمثل جزءا أصيلا من هوية الإمارات ونهجها التنموي منذ تأسيس الدولة.
ويظهر هذا النموذج في تعدد المشاريع التي تجمع بين الابتكار والاستثمار وحماية البيئة، وتعمل في الوقت نفسه على تعزيز النمو الاقتصادي ورفع كفاءة استخدام الموارد.
وقالت إن اهتمام الإمارات بالبيئة والمناخ ليس توجها حديثا، وإنما امتداد لمسيرة طويلة من الوعي بأهمية الحفاظ على الموارد، مستذكرة مشاركة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مؤتمر بيئي عالمي بعد أشهر قليلة من قيام الاتحاد، بما عكس رؤيته المبكرة لأهمية قضايا البيئة والاستدامة.
وقد رسخت هذه الرؤية نهجا وطنيا يضع حماية البيئة وتنمية الموارد في صميم مسيرة التنمية، ويعزز المسؤولية المشتركة تجاه الأجيال المقبلة.
وشددت على أن نجاح الإمارات في ملفات البيئة والمناخ يقوم على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والمحافظة على الموارد الطبيعية وحماية البيئة والتنوع البيولوجي، مؤكدة أن هذا التوازن يمثل جوهر نموذج التنمية المستدامة الذي تتبناه الدولة.
ويؤكد ما حققته الإمارات في مجالات الأمن الغذائي والزراعة والاقتصاد الدائري أن الرؤية الاستباقية والتخطيط طويل الأمد يشكلان قاعدة أساسية لبناء منظومة تنموية أكثر مرونة واستدامة، قادرة على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص للنمو والابتكار.