تستضيف هذه الحلقة أحلام بلوكي، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الإمارات للآداب ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب، في حوار يدور حول القراءة بوصفها علاقة تتجاوز حدود الهواية العابرة، وتمتد إلى الوعي، والخيال، وطريقة نظر الإنسان إلى نفسه وإلى العالم. ومن خلال موقعها في المشهد الثقافي، وخبرتها في العمل الأدبي والمؤسسي، يأتي حديثها محمّلاً بأسئلة أساسية تمس كثيرين: لماذا ما زلنا نحتاج إلى الأدب؟ كيف يمكن أن نحب القراءة فعلاً؟ وكيف نحافظ عليها في حياة يزداد إيقاعها سرعة وضغطاً يوماً بعد يوم؟
ما يلفت في هذه الحلقة أنها لا تتعامل مع القراءة على أنها فضيلة جاهزة أو نصيحة عامة تتكرر في كل مناسبة، بل تنظر إليها بوصفها تجربة شخصية تتكوّن بالتدريج، وتنمو مع الزمن، وتحتاج إلى نوع من الألفة الحقيقية بين القارئ والكتاب. لذلك لا يأتي الحديث هنا من باب التوجيه المباشر، بل من باب الفهم: فهم أسباب ابتعاد بعض الناس عن القراءة، وفهم ما الذي يجعل آخرين يتمسكون بها، وفهم الكيفية التي يمكن أن تتحول بها القراءة من فكرة مؤجلة إلى جزء حي من الحياة اليومية.
وتطرح الحلقة سؤالها المركزي بوضوح: كيف نحب القراءة؟ وهو سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يلامس جوهر العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فحب القراءة لا يولد من الشعور بالواجب، ولا من الرغبة في الظهور الثقافي، ولا من قوائم الكتب التي تُفرض على الناس بوصفها الطريق الوحيد إلى المعرفة. بل يتكوّن حين يجد الإنسان ما يلامس اهتمامه، ويحرّك فضوله، ويجعله يشعر أن القراءة ليست عبئاً إضافياً، بل مساحة خاصة تمنحه المتعة والفهم والاتساع الداخلي. ومن هذا المعنى، تكتسب الحلقة قيمتها، لأنها تتحدث عن القراءة بلغة أقرب إلى التجربة الحقيقية، لا إلى الشعارات.
كما تتناول الحلقة الأدب بوصفه أكثر من مجرد نصوص أو عناوين أو إصدارات جديدة، بل باعتباره تجربة إنسانية كاملة. ولهذا يظهر الفرق واضحاً بين النظر إلى الكتاب كمنتج ثقافي، والنظر إلى الأدب كقيمة تتصل بالخيال، واللغة، والأسئلة التي تشغل الإنسان في حياته. ومن هذا المنظور، يصبح الأدب وسيلة لفهم التعقيد الإنساني، وتوسيع الحس، وإدراك العالم بطريقة أهدأ وأكثر عمقاً. فالقراءة هنا لا تُقدَّم باعتبارها جمعاً للمعلومات فقط، بل كطريقة في بناء الداخل الإنساني، وصقل الذائقة، وإعطاء اللغة مكانتها في تشكيل الوعي.
ومن الجوانب المهمة في الحلقة أنها تلامس واقع الناس كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. فهي لا تتحدث عن القراءة في فراغ مثالي، بل تضعها في مواجهة الحياة اليومية بكل ما فيها من ازدحام وتشتيت وتأجيل دائم. بين ضغط العمل، وكثرة الالتزامات، وسهولة الاستهلاك السريع للمحتوى، تصبح القراءة من أول الأمور التي تتراجع، مع أنها من أكثر الأمور التي يحتاجها الإنسان ليحافظ على صفائه الذهني واتزانه الداخلي. وهنا تبرز أهمية هذا الحوار، لأنه يعيد طرح القراءة بوصفها فعلاً ممكناً، لا مشروعاً مثالياً صعب المنال. وكأن الحلقة تقول إن القراءة لا تحتاج بالضرورة إلى حياة هادئة تماماً، بل إلى قرار بسيط، واختيار مناسب، وعلاقة صادقة مع ما نقرأ.
وتمنح أحلام بلوكي هذا الموضوع بعداً إضافياً من خلال تجربتها في العمل الثقافي، حيث لا تبدو القراءة قضية فردية فقط، بل جزءاً من مشهد أوسع يتعلق ببناء المجتمع الثقافي، وتعزيز حضور الأدب، وخلق مساحات تسمح للناس بأن يقتربوا من الكتاب من دون رهبة أو شعور بالنخبوية. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن المهرجانات الأدبية والمبادرات الثقافية، ليس باعتبارها مناسبات عابرة، بل بوصفها أدوات حيوية لإبقاء الأدب قريباً من الناس، وقادراً على أن يجد مكانه في حياتهم وأسئلتهم واهتماماتهم.
ولا تتوقف الحلقة عند الحاضر فقط، بل تذهب إلى سؤال أبعد يتعلق بمستقبل القراءة نفسها: هل يمكن أن تموت هذه العادة يوماً ما؟ وهذا السؤال لا يُطرح هنا بطريقة درامية، بل كجزء من تأمل أوسع في تغير الزمن، وتبدل الوسائط، وتحول عادات الناس في التلقي والانتباه. ومع ذلك، فإن الروح التي يحملها الحوار توحي بأن القراءة، مهما تبدلت أشكالها، ستبقى مرتبطة بحاجة الإنسان إلى المعنى، وإلى التفكير البطيء، وإلى اللغة التي تمنحه قدرة أفضل على الفهم والتعبير. فطالما أن الإنسان يحتاج إلى أن يرى العالم بعمق أكبر، سيبقى للأدب مكان، وستبقى للقراءة قيمتها.
ما يجعل هذه الحلقة مميزة أيضاً أنها لا تحصر القراءة في جانب معرفي بحت، بل تلمّح إلى بعدها الإنساني الهادئ. فالقراءة ليست فقط وسيلة للتعلم، بل قد تكون أيضاً شكلاً من أشكال مرافقة الذات، ووسيلة لترتيب الداخل، ومساحة يجد فيها الإنسان ما يواسيه أحياناً، أو يوسّع أفقه، أو يفتح له باباً جديداً لفهم مشاعره وأسئلته. ولهذا تبدو القراءة في هذه الحلقة أقرب إلى حاجة داخلية منها إلى مهمة ثقافية. إنها فعل بسيط في ظاهره، لكنه عميق في أثره، لأنه يمنح الإنسان فرصة لأن يتوقف قليلاً، وأن ينصت، وأن يرى ما وراء الضجيج اليومي.
تقدّم هذه الحلقة حواراً واضحاً وهادئاً عن القراءة والأدب، بعيداً عن المبالغة واللغة المتكلفة. وهي حلقة تذكّر بأن القراءة لا تزال قادرة على أن تكون جزءاً حقيقياً من حياة الإنسان، مهما تغيرت الظروف وتسارعت الأيام. ومن خلال حديث أحلام بلوكي، يظهر الأدب لا كشيء بعيد أو خاص بفئة محددة، بل كمساحة مفتوحة يمكن لكل إنسان أن يجد فيها ما يخصه، وما يساعده على أن يعيش بوعي أكبر، وحس أعمق، وعلاقة أكثر قرباً من المعنى.
اسم البودكاست: كرسي الاثنين
مقدم البودكاست: عبدالله النعيمي
ضيفة الحلقة: أحلام البلوكي
تاريخ الحلقة: May 2025