تواصل دولة الإمارات تعزيز حضورها على خريطة التراث الثقافي العالمي، مع إعلان هيئة الشارقة للآثار إدراج «شبكة التحصينات الساحلية لجنوب شرق شبه الجزيرة العربية» في الشارقة على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
ويشكل هذا الإنجاز خطوة جديدة في مسيرة الإمارة الرامية إلى توثيق مواقعها الأثرية والتاريخية، وحماية ما تحمله من قيمة ثقافية وإنسانية، إلى جانب تقديمها للعالم وفق المعايير الدولية المعتمدة في مجال التراث العالمي.
ويعتمد ملف الإدراج، الذي أعده مكتب الشارقة للتراث العالمي بالهيئة، على القيمة التاريخية والثقافية لشبكة مترابطة تضم ثلاثة مواقع تراثية هي دبا الحصن وخورفكان وخور كلباء، والتي شكلت عبر فترات تاريخية مختلفة ممرا بحريا استراتيجيا على ساحل بحر عمان.
وتحمل المواقع الثلاثة شواهد أثرية ومعمارية توثق الدور المهم الذي أدته المجتمعات الساحلية في التجارة والملاحة والدفاع وإدارة السواحل، كما تسلط الضوء على التحولات التي مرت بها أنماط السلطة البحرية وحركة التجارة والتبادل في غرب المحيط الهندي.
شبكة ساحلية تروي أكثر من ألفي عام من التاريخ
يمتد التاريخ الذي توثقه شبكة التحصينات الساحلية لأكثر من 2000 عام، بدءا من ارتباط موانئها بمسارات التجارة في المحيط الهندي، مرورا بفترة مملكة هرمز والوجود البرتغالي في القرنين الـ16 والـ17، وصولا إلى مرحلة الإدارة المحلية للمواقع تحت سلطة القواسم ضمن منظومة إقليمية ارتبطت بإدارة الملاحة والتجارة والسواحل.
ويضيف إدراج الشبكة موقعا متسلسلا جديدا إلى رصيد دولة الإمارات على القائمة التمهيدية للتراث العالمي، ليرتفع عدد المواقع الإماراتية المدرجة عليها إلى 16 موقعا، من بينها ستة مواقع في الشارقة.
ويعكس هذا الحضور المتنامي حجم العمل العلمي والمؤسسي الذي تقوده الإمارة في دراسة مواقعها الأثرية والثقافية، والتعريف بقيمتها على المستوى الدولي، وتهيئتها بما ينسجم مع متطلبات ومعايير التراث العالمي.
بدور القاسمي: التراث معرفة ومسؤولية تجاه المستقبل
وقالت سموّ الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، سفيرة موقع الفاية للتراث العالمي وسفيرة النوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب لدى اليونسكو: «ضمُّ الشارقة ستة مواقع من بين 16 موقعاً إماراتياً على القائمة التمهيدية للتراث العالمي، يعكس مشروعاً ثقافياً متكاملاً لا ينظر إلى التراث بوصفه شواهد على الماضي فحسب، بل معرفة ومسؤولية تمتد إلى المستقبل، فكل موقع نبحثه ونوثقه ونصونه يضيف فصلاً إلى فهمنا لتاريخ هذه الأرض، ويمنح العالم نافذة أوسع على الدور الذي أدته المنطقة في مسارات التجارة والتواصل والتبادل الحضاري عبر القرون، وهذه المكانة ثمرة رؤية طويلة المدى أرساها صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، جعلت البحث العلمي وصون التراث جزءاً أصيلاً من مشروع الإمارة الثقافي».
وأضافت: «أهمية هذا الإنجاز تتجاوز عدد المواقع المدرجة، إلى بناء منظومة مستدامة قادرة على دراسة تراثنا وحمايته وتقديمه للعالم وفق أعلى المعايير العلمية، بما يضمن أن تبقى هذه المواقع حاضرة في الذاكرة الإنسانية، وأن تنتقل قيمتها ومعرفتها إلى الأجيال المقبلة».
دبا الحصن.. مركز ساحلي متصل بشبكات التجارة القديمة
تشكل دبا الحصن المكون الشمالي لشبكة التحصينات الساحلية، وتتمتع بموقع استراتيجي على خليج دبا عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة مسندم، وهو موقع أسهم في منحها أهمية متواصلة عبر مراحل تاريخية طويلة.
وكشفت أعمال التنقيب الأثري في الموقع عن طبقات متعاقبة توثق وجود الإنسان فيه منذ العصر الحجري الحديث وحتى القرن الـ20، إلى جانب بقايا تحصينات ومنشآت ارتبطت بالإنتاج والتجارة والحياة الساحلية.
ومن بين المكتشفات التي تعكس النشاط الاقتصادي للموقع ورش لإعادة صهر الزجاج المستورد وتصنيع أوان محلية، إضافة إلى 12 مدبسة لإنتاج دبس التمر، ومنشآت مرتبطة بتجهيز اللؤلؤ، ومرفق لتمليح الأسماك يعود إلى القرن الـ19.
وتقدم هذه الشواهد صورة واضحة عن دبا باعتبارها مركزا ساحليا مأهولا ونشطا في الإنتاج والتجارة، فضلا عن ارتباطها بشبكات تبادل تجاري بعيدة المدى.
كما تدل المصادر التاريخية والأثرية على مكانة دبا المبكرة ضمن مسارات التجارة في المحيط الهندي، حيث ارتبطت بخطوط ربطت شبه الجزيرة العربية ببلاد فارس والهند وشرق إفريقيا وحوض البحر المتوسط، قبل أن تصبح لاحقا إحدى النقاط المهمة في المنظومة الساحلية المحصنة التي أعيد تنظيمها تحت سلطة القواسم.
خورفكان.. ميناء طبيعي لعب دورا محوريا في الملاحة
تمثل خورفكان المكون الأوسط في الموقع المتسلسل، وتمتاز بامتلاكها واحدا من أكثر المرافئ الطبيعية أمنا على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، إذ تلتقي جبال الحجر بالبحر لتشكل خليجا طبيعيا محميا، أسهم في منح المدينة دورا بارزا في حركة الملاحة والتجارة.
وأظهرت الأعمال الأثرية وجود موقعين محصنين رئيسين في خورفكان، هما الحصن الشرقي والحصن الغربي، إلى جانب طبقات استيطان ومنازل ذات جدران حجرية تعود إلى القرنين الـ15 وأوائل القرن الـ16.
كما كشفت الدراسات عن جزء باق من سور المدينة التاريخي يمتد لأكثر من 155 مترا، وهو ما يعكس طبيعة التحصينات التي أحاطت بالموقع في مراحل مختلفة.
ويحتفظ الحصن الغربي بثلاث مراحل متعاقبة من البناء والتحصين، تقدم دليلا ملموسا على الفترات المتتالية من السيطرة البحرية على المنطقة. وتتميز المرحلة الأقدم بمخطط مثلث الشكل يرجح ارتباطه بالتحصين البرتغالي الذي شيد خلال القرن الـ17.
وفي مرحلة لاحقة، ظهرت منشأة مستطيلة تعود إلى النصف الثاني من القرن الـ18، وترتبط بفترة ترسخ النفوذ العربي، قبل إنشاء حصن مربع مزود ببرج دائري خلال القرن الـ19 في عهد القواسم.
وتوضح هذه المراحل المتعاقبة التحول الذي شهده الدور الاستراتيجي لخورفكان عبر الزمن، وصولا إلى تطورها في عهد القواسم إلى ميناء رئيس يربط حركة الملاحة على بحر عمان بالطرق الداخلية عبر جبال الحجر.
خور كلباء.. شاهد على تاريخ الدفاع والتجارة البحرية
يمثل خور كلباء المكون الجنوبي للموقع المتسلسل، ويقع على سهل ساحلي رملي عند مصب خور كلباء، وسط بيئة طبيعية تضم الخور والمسطحات المائية الضحلة وأشجار القرم.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن كلباء كانت مستوطنة محصنة تابعة لمملكة هرمز، قبل أن يسيطر عليها البرتغاليون عام 1624، ويقيموا فيها تحصينا من الطين المدكوك فوق أساسات حجرية، بهدف خدمة الملاحة والتجارة والإمدادات البحرية.
وأظهرت أعمال التنقيب الأثري بقايا هذا التحصين، الذي يتكون من سور رباعي وبرجين دائريين عند الزوايا، إضافة إلى مدخل رئيس في الجهة الجنوبية.
ومع تراجع النفوذ البرتغالي، أصبحت كلباء جزءا من المجال البحري للقواسم، واستمرت في أداء دور مهم في عمليات الإمداد والدفاع وتنظيم الحركة البحرية على ساحل بحر عمان.
شواهد باقية تحفظ ذاكرة الساحل
على الرغم من التحولات التي مرت بها المنطقة عبر القرون، ما زالت المواقع الثلاثة تحتفظ بعناصر رئيسة تعكس تاريخها الطويل، سواء من خلال التحصينات وبقايا المستوطنات أو المرافئ والمشاهد الساحلية المرتبطة بها.
ويمنح بقاء هذه العناصر وتكاملها المكاني والتاريخي الشبكة قيمة خاصة، إذ تساعد على تقديم صورة متصلة عن تطور المجتمعات الساحلية وأنظمة الدفاع والملاحة والتجارة في المنطقة عبر فترات زمنية متعاقبة.
كما أن الترابط بين دبا الحصن وخورفكان وخور كلباء يجعل الموقع المتسلسل نموذجا مهما لفهم علاقة المجتمعات المحلية بالبحر، والدور الذي لعبته السواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية في شبكات التجارة والتواصل الإقليمي والدولي.
خطوة جديدة نحو مسار الترشيح العالمي
قال مدير عام هيئة الشارقة للآثار، عيسى يوسف: «يُمثّل هذا الإدراج محطة مهمة في مسار طويل من البحث والتوثيق والحماية، ويؤكد قيمة العمل المتراكم الذي تقوم به الهيئة في دراسة مواقع الإمارة وصونها وفق أسس علمية واضحة، وستركز المرحلة المقبلة على تكثيف الدراسات والأبحاث الأثرية المرتبطة بالمواقع، وتعميق المعرفة العلمية بمكوناتها وقيمتها التاريخية، بما يوفر قاعدة علمية أكثر شمولاً يمكن أن تغذي مسار الترشيح الدولي مستقبلاً، بما يحفظ القيمة التاريخية لهذه المواقع، ويضمن استدامة حمايتها للأجيال القادمة».