الأربعاء, 29 يوليو, 2026


دبي تنقل المسافر إلى عصر العبور الذكي بلا وثائق.. من الطوابير إلى 3 ثوان
en
28 يوليو 2026
دبي تنقل المسافر إلى عصر العبور الذكي بلا وثائق.. من الطوابير إلى 3 ثوان

إقامة دبي» سابقت الزمن لتوسيع حضور التقنيات والذكاء الاصطناعي

من طوابير الانتظار والإجراءات التي كانت تستغرق وقتا طويلا، إلى عبور ذكي لا يتجاوز 3 ثوان، نجحت دبي في إحداث تحول واسع في تجربة المسافرين عبر منافذها الجوية، مستندة إلى منظومة متقدمة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات البيومترية والتدقيق المسبق للبيانات.

ولم تعتمد دبي في مواجهة الزيادة المتواصلة في أعداد القادمين والمغادرين على إضافة المزيد من منصات مأموري الجوازات، بل اختارت مسارا مختلفا يقوم على إعادة تصميم رحلة المسافر بالكامل، بحيث تنجز غالبية الإجراءات قبل وصوله إلى نقطة العبور.

ويقف خلف هذا التحول مسار طويل من التطوير قادته الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب في دبي، انتقلت خلاله من الإجراءات التقليدية التي تعتمد على إبراز الوثائق والتدقيق اليدوي، إلى أنظمة ذكية تنجز المعاملات بسرعة ودقة، وتمنح المسافر تجربة أكثر سهولة وانسيابية.

تغيير مفهوم السفر

على مدى أكثر من عقدين، واصلت «إقامة دبي» تطوير أنظمتها وخدماتها لمواكبة النمو المتسارع في حركة المسافرين، إلا أن هذا التطوير لم يتجه نحو زيادة الاعتماد على المنصات التقليدية، بل ركز على تقليصها تدريجيا، مقابل توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والبوابات الذكية والخصائص البيومترية.

وتوضح أعداد المسافرين حجم التغيير الذي شهدته منافذ دبي الجوية. ففي عام 2011، بلغ عدد القادمين والمغادرين عبر هذه المنافذ نحو 28 مليون مسافر، بينما تجاوز العدد بنهاية عام 2024 حاجز 63 مليون مسافر، أي أكثر من الضعف خلال 13 عاما.

ورغم هذا النمو الكبير، لم تتحول الزيادة في أعداد المسافرين إلى طوابير أطول أو فترات انتظار إضافية. وعلى العكس، انخفض الوقت اللازم لإنجاز الإجراءات بالتزامن مع ارتفاع أعداد العابرين، نتيجة الاعتماد المتزايد على الحلول التقنية والأنظمة الذكية.

وأثبتت تجربة دبي أن استيعاب النمو القياسي في حركة السفر لا يتطلب بالضرورة زيادة عدد الكاونترات، بل يحتاج إلى إعادة النظر في مسار الرحلة، ونقل الإجراءات المتكررة إلى منظومات رقمية تعمل بسرعة وكفاءة في الخلفية.

من دقائق إلى ثوان

في المراحل الأولى من التطوير، ركزت «إقامة دبي»، بالتعاون مع الجهات العاملة في المنافذ الجوية، على تحديث الأنظمة التي يستخدمها مأمورو الجوازات، إلى جانب تأهيلهم ورفع مهاراتهم لإنجاز معاملات المسافرين بأسرع وقت ممكن.

وكان تقليص زمن الانتظار من أبرز الأولويات، إلا أن الارتفاع المستمر في حركة السفر عبر مطار دبي فرض واقعا جديدا، أكد أن الحل المستدام لا يكمن في إضافة المزيد من منصات الجوازات، وإنما في إعادة بناء تجربة المسافر من بدايتها حتى نهايتها.

وانسجاما مع توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بشأن توظيف التقنيات الحديثة في إسعاد الناس وتسهيل حياتهم، بدأت رحلة متواصلة من التطوير والابتكار.

ونجحت هذه الرحلة في تقليص زمن إنجاز الإجراءات تدريجيا، لينتقل من عدة دقائق في المراحل التقليدية إلى أقل من 30 ثانية، ثم إلى أقل من 15 ثانية، وبعدها إلى 10 ثوان، وصولا إلى 3 ثوان فقط في أحدث مراحل التطوير.

ويعكس هذا التقدم تحولا يتجاوز مجرد تسريع المعاملة، إذ أصبحت رحلة السفر أكثر مرونة، وبات المسافر يمر عبر الإجراءات من دون أن يشعر بتفاصيلها أو يتوقف لفترات طويلة أمام نقاط التدقيق.

البوابات الذكية.. البداية الأولى للتحول

لم يبدأ التحول التقني في «إقامة دبي» خلال السنوات القليلة الماضية، بل تعود أولى مراحله إلى عام 2002، عندما جرى تشغيل البوابات الذكية، لتشكل نقطة انطلاق أساسية نحو تجربة سفر تعتمد على التكنولوجيا بدلا من الإجراءات التقليدية.

ومنذ ذلك الوقت، خضعت البوابات الذكية لعمليات متواصلة من التحديث والتطوير، بهدف توسيع نطاق استخدامها وتحسين كفاءتها وقدرتها على استيعاب الأعداد المتزايدة من المسافرين.

وبحلول عام 2014، تجاوز عدد المسجلين في منظومة البوابات الذكية 1.5 مليون شخص، فيما وصل عدد المستخدمين إلى نحو 25 ألف مسافر يوميا، من أصل قرابة 130 ألف مسافر كانوا يعبرون مطارات دبي يوميا خلال تلك المرحلة.

ومع استمرار التطوير، ارتفع عدد مستخدمي البوابات الذكية إلى أكثر من 33 مليون مسافر سنويا، بينما بلغ إجمالي عدد البوابات 127 بوابة موزعة في المنافذ الجوية.

ولم تقتصر نتائج المشروع على تسريع الإجراءات، بل شملت أيضا تعزيز الجانب الإنساني في تجربة السفر، إذ وفر مطار دبي في المبنى رقم 3 بوابة مخصصة للمسافرين من أصحاب الهمم، بما يساعدهم على عبور الإجراءات بسهولة ومرونة أكبر.

التدقيق قبل الوصول إلى نقطة العبور

شكل مشروع «جيل المغادرة القادم» خطوة متقدمة في مسيرة التحول الذكي، إذ نقل جزءا كبيرا من عمليات التحقق والتدقيق إلى مرحلة تسبق وصول المسافر إلى مأمور الجوازات.

ففي السابق، كانت الإجراءات تبدأ عند وقوف المسافر أمام الموظف وتقديم وثائق السفر، بينما أصبحت البيانات في المنظومة الجديدة تخضع للفحص والتدقيق المسبق، بحيث تقتصر المهمة عند نقطة العبور على مطابقة هوية المسافر مع المعلومات المسجلة في النظام.

وأسهم هذا الأسلوب في خفض زمن إنجاز الإجراء إلى نحو 10 ثوان فقط، كما أعاد توزيع خطوات العملية، ونقل قسما كبيرا منها من منصات الجوازات إلى منظومة رقمية متكاملة تعمل في الخلفية.

ولا يمثل هذا التحول مجرد اختصار للوقت، بل يعكس تغييرا شاملا في آلية العمل، إذ أصبحت الأنظمة قادرة على تنفيذ المهام المتكررة بشكل مسبق، بينما تتفرغ الكوادر البشرية للحالات التي تتطلب تدخلا متخصصا.

ومع مواصلة تطوير هذا النموذج، تهدف «إقامة دبي» مستقبلا إلى تقليص نحو 95 % من منصات مأموري الجوازات المستخدمة، والتي يعمل عليها قرابة 2000 موظف، مع الإبقاء على كوادر متخصصة للتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تدخّل بشري، ومتابعة الأنظمة التقنية والبوابات الذكية.

«السجادة الحمراء».. نهاية نقطة التوقف

بعد النجاح الذي حققته البوابات الذكية، انتقلت دبي إلى مرحلة أكثر تطورا، تقوم على إزالة فكرة التوقف أمام نقطة عبور تقليدية، من خلال مشروع الممر الذكي المعروف باسم «السجادة الحمراء».

وتقوم فكرة المشروع على إنهاء إجراءات السفر أثناء مرور المسافر داخل الممر، من دون الحاجة إلى الوقوف أمام منصة، أو تقديم جواز السفر، أو الانتظار حتى تكتمل عملية التدقيق.

وبدأت الاختبارات الأولية للمشروع عام 2018، قبل أن يخضع لعدة مراحل من التطوير والتحسين، وصولا إلى تشغيله رسميا عام 2025.

ويمتلك الممر الذكي قدرة استيعابية تفوق البوابات الذكية بنحو 10 أضعاف، إذ يستطيع إنهاء إجراءات ما يصل إلى 10 مسافرين في الوقت نفسه، بما يسهم في تسريع حركة العبور واستيعاب أعداد أكبر خلال فترات الذروة.

ويعتمد المشروع على مجموعة من التقنيات المتطورة، تشمل الذكاء الاصطناعي وقواعد بيانات المسافرين والتعلم الآلي والخصائص البيومترية، بما في ذلك بصمة العين، للتعرف إلى هوية المسافر وإنجاز إجراءاته تلقائيا أثناء مروره.

وتمكنت «إقامة دبي» من خفض زمن إنجاز الإجراءات عبر الممر الذكي من 6 ثوان إلى 3 ثوان فقط، في خطوة تعكس استمرار العمل على تطوير المشاريع النوعية ورفع كفاءتها.

وبذلك، لم تعد نقطة العبور مكانا يتوقف عنده المسافر، بل أصبحت مسارا ذكيا تنفذ خلاله الإجراءات بصورة تلقائية وسلسة.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان

إلى جانب إطلاق المشاريع الذكية، واصلت «إقامة دبي» تحديث الأنظمة وتأهيل الموظفين للتعامل مع التقنيات الحديثة، فضلا عن تدريبهم على التواصل مع المسافرين القادمين من ثقافات ودول مختلفة.

وأصبح مأمور الجوازات في منافذ دبي الجوية قادرا على التواصل بعدة لغات، تشمل العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية والأردية والفارسية، إضافة إلى البرتغالية والصينية.

ويسهم هذا التنوع اللغوي في تعزيز جودة التواصل مع الزوار، وفهم احتياجاتهم بصورة أفضل، وتقديم تجربة تتناسب مع التنوع الثقافي الكبير الذي تشهده مطارات دبي يوميا.

ورغم التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة المؤتمتة، لم يختف العنصر البشري من منظومة العمل، بل تغيرت طبيعة دوره. فالأنظمة الذكية تتولى الجزء الأكبر من الإجراءات المتكررة، في حين يركز الموظف على الحالات التي تحتاج إلى الخبرة والتقييم والتواصل المباشر.

وفي حال الاشتباه في وثيقة سفر، تنتقل المعاملة من المسار الآلي إلى المسار المتخصص، حيث يتولى خبراء الوثائق فحصها والتحقق من صحتها.

ويحقق هذا التكامل توازنا بين سرعة التكنولوجيا ودقة الخبرة البشرية، بما يعزز كفاءة الإجراءات ويحافظ في الوقت نفسه على مستويات الأمن والتدقيق.

تجربة سفر أكثر إنسانية

وسط هذا التطور التقني الكبير، حافظت «إقامة دبي» على البعد الإنساني بوصفه عنصرا أساسيا في تجربة السفر، فلم تقتصر الأولوية على سرعة إنجاز الإجراءات، بل شملت أيضا مراعاة احتياجات الفئات المختلفة.

وتحظى الأمهات المصطحبات لأطفالهن وكبار السن والفئات التي تحتاج إلى مساعدة بالأولوية في إنهاء الإجراءات، بما يضمن لهم تجربة أكثر راحة وسهولة.

كما خصصت دبي للأطفال أول كاونتر جوازات من نوعه، في مبادرة تهدف إلى تحويل إجراءات السفر إلى تجربة إيجابية ومميزة تبقى في ذاكرة الطفل.

ولا تقاس أهمية هذه المبادرة بعدد المعاملات التي ينجزها الكاونتر فقط، بل بالأثر الإنساني الذي تتركه لدى الأطفال وأسرهم، وبالصورة الترحيبية التي تعكسها منذ بداية الرحلة.

وأسهمت المنظومة المتكاملة في رفع مستويات رضا المسافرين وتحقيق «صفر شكوى»، بحسب إحصاءات «إقامة دبي» خلال عام 2024، والأشهر الأربعة الأولى من عام 2025، التي تعاملت خلالها مع أكثر من 86 مليون مسافر.

وهكذا، لم تعد تجربة السفر في دبي تعتمد على انتظار المسافر حتى تنتهي الإجراءات، بل أصبحت الإجراءات تنجز قبل أن يشعر بوجودها، ضمن نموذج يجمع بين سرعة التقنية ودقة الأمن.